الدستور في لبنان.. "Plan B"

WhatsApp Image 2026-05-23 at 1.28.40 PM

في لبنان، لا شيء يحظى بإجماعٍ سياسي يشبه الإجماع على الدستور. الجميع يتحدّث باسمه، الجميع يقسم على احترامه، والجميع يتّهم خصومه بانتهاكه.

لكن المفارقة أنّ هذا النص، الذي يُفترض أنّه المرجعية العليا للدولة، تحوّل بعد مئة عام على ولادته إلى أكثر النصوص احتراماً في الخطاب السياسي… وأقلّها تطبيقاً في الحياة السياسية الفعلية، وكأنه خيار ثانوي.

المشكلة في لبنان ليست غياب الدستور، بل اعتياد اللبنانيين والسياسيين تحديداً على العيش خارجه.

فالدستور اللبناني لم يسقط بانقلاب عسكري، ولم يُعلَّق بدبابات في الشوارع، بل تم الالتفاف عليه بهدوء، عبر الأعراف والتسويات و"تمشية الحال".

شيئاً فشيئاً، أصبح النظام الحقيقي في لبنان يعيش خارج النصّ الدستوري نفسه.

يكفي النظر إلى الحياة السياسية لفهم المفارقة، تشكيل الحكومات لا تحكمه المهل الدستورية بقدر ما تحكمه التوازنات الطائفية. انتخاب رئيس الجمهورية لا يرتبط بالنصّ بقدر ما يرتبط بالتوافقات الداخلية والخارجية. حتى المؤسسات الدستورية نفسها كثيراً ما تتحوّل إلى أدوات تعطيل متبادل، فيما يبقى الدستور حاضراً فقط في البيانات والخطب السياسية.

في دول كثيرة، يُخرق الدستور عبر الانقلابات. أمّا في لبنان، فيُخرق عبر الإفراط في الاحتفال به.

والأخطر أنّ السياسيين باتوا يتعاملون مع هذا الواقع كأنه أمر طبيعي. فالبلد الذي عاش فراغاً رئاسياً لسنوات، وتعطّلت فيه الحكومات والمجلس النيابي مراراً، لم يشهد أي صدمة حقيقية تجاه فكرة تعطيل الحياة الدستورية نفسها. كأنّ الأزمة لم تعد في انتهاك النص، بل في فقدان الإيمان "بقدرته أصلاً يمشّي البلد".

وهنا تكمن الأزمة الأعمق، الدساتير لا تعيش فقط لأنّها مكتوبة، بل لأنّ هناك إرادة جماعية للاحتكام إليها.

أمّا في لبنان، فهذه الإرادة ضعيفة منذ سنوات طويلة. الدولة التي عُرفت في مراحل سابقة، خلال عهود كميل شمعون وفؤاد شهاب، بالإرادة والتطبيق الفعلي لبناء المؤسسات والهيبة، انتقلت تدريجياً من منطق الدولة إلى منطق الطوائف.

حتى إنّ كثيراً من اللبنانيين يحفظون أسماء الزعماء أكثر ممّا يعرفون مواد الدستور نفسه. وهذا وحده يكفي لفهم طبيعة العلاقة بين اللبناني والدولة: علاقة قائمة على الولاءات، لا على المواطنة.

بعد مئة عام على ولادة الدستور اللبناني، قد لا يكون السؤال الحقيقي كم مرّة تمّ انتهاكه، بل ما إذا كان اللبنانيون لا يزالون يريدون فعلاً أن يُحكموا به.

فالدستور الذي لا يتحوّل إلى مرجعية فعلية للحياة السياسية يفقد مع الوقت معناه كعقد وطني، ويصبح مجرّد نصّ احتفالي يُستحضر عند الأزمات ويُهمَل عند التسويات.

وربما هذه هي المأساة اللبنانية الأكثر هدوءاً: السياسيون لم يهجروا دستورهم دفعة واحدة، بل اعتادوا تدريجياً على العيش من دونه.

بعد قرنٍ من التفسير والتأويل والالتفاف، يستحق الدستور اللبناني أخيراً فرصة لم يُمنحها يوماً: أن يُحكم به فعلاً.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: