المسيحيون بين الدامور واليوم.. حقوق تتآكل ووحدة مفقودة

IMG_9358

مجزرة الدامور لم تكن مجرد صفحة سوداء في تاريخ لبنان، بل كانت تحذيراً صارخاً لكل مجتمع يغفل عن حماية نفسه وحقوقه ومكتسباته التاريخية. المدينة الساحلية الصغيرة، التي كانت مثالاً للتعايش بين الطوائف ومركزاً للحياة الاقتصادية والثقافية، تحوّلت في العام 1976 إلى رمز للدمار والنزوح القسري، وعلامة على هشاشة المؤسسات وعدم قدرة المجتمع على حماية مواطنيه. ما حدث لم يكن مجرد اعتداء عسكري، بل محاولة منهجية لمحو الوجود المسيحي وهويته، ليؤكد أن التهديد الخارجي ينجح غالباً عندما يغيب التنظيم الداخلي والوحدة الوطنية واليقظة المجتمعية.

تاريخ المسيحيين في لبنان مليء بالدروس القاسية، إذ لم يقتصر الخطر على الاعتداءات الخارجية، بل كانت الأخطاء الداخلية سبباً مباشراً في فقدان القوة والتأثير. الانقسامات الحزبية، الصراعات على السلطة، التراخي في الدفاع عن المصالح الأساسية، كلها عوامل ساهمت في تراجع النفوذ المسيحي على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأدت إلى إضعاف قدرة المجتمع على حماية حقوقه ومكتسباته. اليوم، يعاني الشباب اللبناني المسيحي من صعوبات بالوصول إلى التعليم والعمل، وتكافح العائلات للحفاظ على ممتلكاتها، ويجد المجتمع المدني نفسه عاجزاً عن فرض قضاياه على الساحة الوطنية، في حين تُترك حقوقه على هامش النقاش العام.

إن مأساة الدامور تحمل عبرة قوية، كل تفريط في الوحدة أو ضعف المطالبة بالحقوق يترك المجال للآخرين لتقليص الحضور المسيحي وإضعاف تأثيره في الحياة العامة، كما شهدنا في المدن والقرى التي فقدت غالبية سكانها أو أُعيد توزيع ممتلكاتها بفعل النزاعات المتكررة. الغياب المستمر للتخطيط الجماعي والانشغال بالخلافات الثانوية، والانقسامات على القيادة والتوجهات السياسية، كلها عوامل جعلت الحقوق المسيحية تتآكل يوماً بعد يوم، وترك الأجيال الجديدة عرضة للإقصاء والتهميش، بحيث يصبح الحفاظ على الهوية والمكتسبات التاريخية مهمة صعبة جداً.

الأمر الأكثر ألماً هو أن بعض القوى المسيحية نفسها ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في هذا التآكل من خلال الصراعات الداخلية والانقسامات على السلطة والمصالح. وهذا الواقع يجعل من الدفاع عن الحقوق المسيحية اليوم مسؤولية جماعية، لا يُحتمل فيها التفريط أو التخاذل. فالحقوق لا تُحفظ بالحنين إلى الماضي ولا بالمجد التاريخي وحده، بل بالعمل الجماعي، وبوحدة الصفوف، وبإرادة حقيقية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

الدرس الذي يستخلصه كل مواطن مسيحي من الدامور صارخ وواضح، لا حماية للحقوق من دون تنظيم جماعي ووحدة متماسكة، ولا استمرار للوجود المسيحي من دون صف واحد، ولا مستقبل مضمون من دون وعي وشجاعة للعمل الجماعي. الدفاع عن الحقوق لا يعني الانغلاق أو النزعة الانعزالية، بل يعني الحفاظ على الكرامة، المصالح، والحضور التاريخي للشعب المسيحي، وضمان استمرار لبنان دولة متعددة الهويات يحترم جميع أبنائه، بحيث لا يُمس أحد من حقوقه أو مكانته.

إن لم يُستخلص هذا الدرس، فإن خطر تكرار السيناريوهات التاريخية سيظل قائماً، ليس في الماضي وحده، بل في المستقبل القريب، حيث يمكن أن تعاود الأخطاء نفسها بصور جديدة، وتُترك الحقوق من دون حماية.

اليوم أمام المسيحيين فرصة لا تعوّض لإعادة بناء قوتهم الداخلية، وتوحيد صفوفهم، والمطالبة بحقوقهم المشروعة بكل وعي وحزم. الماضي المجيد وحده لا يكفي، والحاضر يفرض تحركاً فعلياً لحماية المستقبل، والعمل على ضمان أن لا تصبح مأساة الدامور نموذجاً مكرراً في تاريخ لبنان.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: