المسيحيون بين الدامور واليوم.. حقوق تتآكل ووحدة مفقودة

Untitled-1

مجزرة الدامور لم تكن مجرد مأساة عابرة في تاريخ الصراعات اللبنانية، بل تحذير صارخ لأي مجتمع يغفل حماية نفسه وحقوقه. المدينة الساحلية الصغيرة كانت مثالاً على الازدهار المسيحي والتعايش بين الطوائف، ومركزاً للحياة الاقتصادية والثقافية، لكنها تحوّلت في العام 1976 إلى رمز للدمار والنزوح القسري.

ما حدث لم يكن مجرد اعتداء عسكري، بل انتهاك مباشر للوجود المسيحي وهويته، يوضح كيف يمكن للتهديد أن يأتي من الخارج، ولكنه ينجح أحياناً عندما يغفل الداخل عن الوحدة والتنظيم والحماية الذاتية.

للأسف، المسيحيون في لبنان كثيراً ما ارتكبوا أخطاء بحق أنفسهم. التشتت الداخلي، الصراعات الحزبية، الانقسامات على السلطة والقيادة، والتراخي في الدفاع عن المصالح الأساسية، كلها عوامل ساهمت في تراجع نفوذهم وإضعاف قدرتهم على حماية حقوقهم.

ومجزرة الدامور ليست مجرد ذكرى مأساوية، بل درس صارخ في العواقب، عندما يضعف التكاتف الداخلي، يصبح الشعب هدفاً سهلاً للابتلاع أو التجاهل، وتصبح حقوقه ومصالحه عرضة للنقص أو الفقدان.

اليوم، بعد عقود من الحرب، لا يزال المسيحيون مأكول حقهم، السيطرة على المناطق التاريخية تتراجع، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ضعيفة، والشباب يواجه صعوبة في التعليم والعمل، في حين تكافح العائلات للحفاظ على ممتلكاتها. المجتمع المدني المسيحي يعاني من ضعف تأثيره السياسي، وغالباً ما تُترك قضاياه على هامش النقاش العام. كل تفريط في الوحدة أو ضعف المطالبة بالحقوق يترك المجال للآخرين لتقليص الحضور المسيحي، كما حدث مع مدن وقرى فقدت غالبية سكانها، وممتلكات ضاعت أو أُعيد توزيعها في سياق النزاعات السياسية المتكررة.

لكن الأمر لا يقتصر على الماضي، بل يمتد إلى الحاضر، غياب التخطيط الجماعي، تراكم الأخطاء الداخلية، والانشغال بالخلافات الثانوية على حساب المصالح الأساسية، كلها عوامل جعلت الحقوق المسيحية تتآكل يومًا بعد يوم. وللأسف، بعض القوى المسيحية نفسها ساهمت بشكل غير مباشر في هذا التآكل من خلال الانقسامات والاختلاف على القيادة والتوجهات السياسية، مما أضعف تأثير المجتمع المسيحي في حماية مصالحه.

مجزرة الدامور يجب أن تكون درساً دائماً، ليس للتذكر فقط، بل للتحرك الفعلي. الدفاع عن الحقوق المسيحية لا يعني الانغلاق أو النزعة الانعزالية، بل الحفاظ على الكرامة، المصالح، والحضور التاريخي للشعب المسيحي، وتجاهل هذا الواقع يعني فقدان المزيد من الحقوق والمناطق التي شكلت هوية هذا الشعب لقرون، ويجعل الأجيال المقبلة عرضة لمزيد من الإقصاء.

الرسالة واضحة، المسيحيون اليوم مطالبون أكثر من أي وقت مضى بأن يكونوا واعيين لوضعهم، متحدين في الدفاع عن مصالحهم، وأقوياء في حماية حقوقهم. ليس من أجل التفوق على الآخرين، بل من أجل العدل، المساواة، واستمرار لبنان كدولة متعددة الهويات، حيث لا يُغفل أحد، ولا يُمس أحد من حقوقه.

إن لم يُستخلص هذا الدرس من الدامور، فإن الخطر لن يكون في التاريخ فقط، بل في المستقبل القريب الذي قد يعيد السيناريوهات نفسها بصور جديدة. وما دامت الأخطاء تتكرر، تبقى الحقوق المسيحية في لبنان مهددة بالمحو، كما لو أن تاريخها وأجيالها لم يكن لهم وجود.

اليوم، أمام المسيحيين فرصة لإعادة بناء قوتهم الداخلية، توحيد صفوفهم، ومطالبة الحقوق المشروعة بكل وعي وذكاء. الدرس واضح، لا حماية للحقوق من دون عمل جماعي، ولا استمرار للوجود من دون وحدة، ومجد الماضي لن يكون كافياً لحماية المستقبل إذا لم يتحرك الحاضر.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: