"اليونيفيل"… تقاطع في الرفض واختلاف في الدوافع

POLITICAL-66

في السياسة اللبنانية لا تُقاس المفاجآت بحجم الخلافات، وإنما باللحظات التي تتقاطع فيها المواقف بين خصوم يصعب جمعهم في مشهد واحد، وهذا ما ظهر مع امتناع حزب الله والقوات اللبنانية عن التوقيع على العريضة النيابية التي حملت 86 توقيعاً وطالبت الأمم المتحدة بالتمديد لقوات "اليونيفيل" العاملة في جنوب لبنان، مشهد أثار سيلاً من علامات الاستفهام وأعاد فتح باب النقاش حول مستقبل القوة الدولية، كَوْن هذا الملف لم يعد يُقارب بالمعايير التي حكمته طوال السنوات الماضية، وإنما بات جزءاً من إعادة رسم المشهد الأمني والسياسي في الجنوب بعد الحرب الأخيرة.

ورغم أن الدوافع التي يستند إليها كل فريق تختلف بصورة كاملة، فإن النتيجة السياسية جاءت واحدة، الأمر الذي دفع مراقبين إلى اعتبار أن المشهد يعكس تقاطعاً فرضته الحسابات الخاصة لكل طرف من دون أن يعني ذلك وجود مساحة سياسية مشتركة بينهما، إذ انطلق كل منهما من قراءة مختلفة لمهمة "اليونيفيل" ولدورها في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، أكد نائب حالي في تكتل "الجمهورية القوية" لموقع Lebtalks أن موقف القوات اللبنانية يستند إلى تقييم يعتبر أن قوات حفظ السلام لم تتمكن طوال عقود من تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، فلم تمنع الاحتلال الإسرائيلي في مراحل سابقة، ولم تنجح في منع الاعتداءات المتبادلة عبر الحدود، معتبراً أن التجارب المتراكمة أظهرت محدودية دورها الميداني مقارنة بحجم التحديات الأمنية التي شهدها الجنوب.

وأضاف أن لبنان دخل مرحلة مختلفة بالكامل بعد التطورات العسكرية الأخيرة، وأن اتفاق الهدنة بصيغته التقليدية لم يعد يعكس الواقع القائم، كما أن المقاربات التي حكمت عمل الأمم المتحدة خلال العقود الماضية لم تعد كافية للتعامل مع البيئة الأمنية الجديدة، مشيراً إلى أن المطلوب اليوم هو مقاربة أكثر فعالية ترتكز على تمكين الجيش اللبناني وتعزيز حضوره الكامل على الحدود، استناداً إلى القرارات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمها القراران 1559 و1701، معتبراً أن الأولوية لم تعد الإبقاء على آليات أثبتت محدودية نتائجها، وإنما البحث عن أدوات قادرة على توفير استقرار فعلي يخدم الدولة اللبنانية.

في المقابل، يؤكد مسؤول إعلامي في حزب الله أن النقاش الدائر حول اليونيفيل لا ينفصل عن محاولات أوسع لإعادة صياغة قواعد الاشتباك التي حكمت الجنوب منذ عام 2006، وأن أي تعديل على مهمة القوات الدولية أو على صلاحياتها يجب أن يبقى ضمن الإطار الذي توافق عليه الدولة اللبنانية، ومنسجماً مع القرار 1701 بعيداً عن أي توسيع للدور الميداني أو الأمني يمكن أن يحول القوة الدولية إلى طرف يتجاوز المهمة التي أنشئت من أجلها.

ويعتبر أن الضغوط الغربية التي تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة، والمتزامنة مع نقاشات تدور داخل أروقة الأمم المتحدة حول مستقبل القوة الدولية تعكس توجهاً لدى بعض الدول نحو توسيع صلاحيات اليونيفيل"، وهو أمر يرى الحزب أنه يتجاوز الإطار الذي رسمه القرار 1701، ويفتح الباب أمام تغيير طبيعة المهمة الموكلة إليها، بما ينسف التوازنات التي قام عليها وجودها منذ عام 2006، وانطلاقاً من هذه المقاربة، يؤكد الحزب رفضه التمديد للقوة الدولية تحت أي صيغة تتضمن تعديلاً في مهامها أو توسعاً في صلاحياتها.

وبين المقاربتين، يبقى الثابت أن ملف "اليونيفيل" خرج من الإطار التقني والإجرائي، وتحول إلى عنوان سياسي وأمني يتصل مباشرة بشكل المرحلة المقبلة وبكيفية إدارة الحدود الجنوبية، وبالدور الذي ستؤديه الدولة اللبنانية في تثبيت الاستقرار، في وقت يبدو فيه أن النقاش الدائر داخل لبنان يتجاوز مسألة التمديد بحد ذاتها، ليصل إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة المنظومة الأمنية التي سترسم ملامح الجنوب في السنوات المقبلة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: