بارود لـLebTalks: ما الثمن الذي سيدفعه لبنان مع تأجلت الانتخابات سنتين؟

elections

في خضم بلد مثقل بالحرب والخراب وتداعيات الانهيار عاد النقاش حول التمديد للمجلس النيابي ليتصدر المشهد السياسي، نقاش يتجاوز حدود الإجراء التقني ليلامس جوهر النظام الدستوري نفسه، إذ إن المسألة لا تتعلق فقط بإرجاء استحقاق انتخابي، إنما بمفهوم الوكالة الشعبية التي يقوم عليها النظام البرلماني في لبنان، تلك الوكالة التي يمنحها المواطنون لممثليهم لمدة محددة لا يملك أصحابها حق تمديدها بإرادتهم الخاصة.

تناول الوزير السابق زياد بارود هذا الملف عبر موقع LebTalks من زاوية دستورية دقيقة، كاشفاً خطورة الذهاب إلى تمديد طويل للمجلس النيابي، ومذكراً بأن أي تمديد في الأصل يضع النظام أمام إشكالية دستورية واضحة، لأن الوكالة الشعبية بطبيعتها محددة بزمن، وعندما تنتهي لا يحق لمن نالها أن يعيد تجديدها لنفسه بقرار ذاتي، فذلك يضرب أحد أهم مرتكزات النظام الديموقراطي.

ويلفت، إلى أن النقاش ينقسم إلى مستويين، الأول يتصل بمبدأ التمديد نفسه، والثاني بمدته وفي المبدأ يوضح أن المجلس الدستوري سبق أن اعتبر التمديد غير دستوري عندما طُعن به في محطات سابقة غير أن الظروف الاستثنائية قد تفرض أحياناً واقعاً مختلفاً، وخصوصاً عندما يكون البلد في مواجهة ما يسمى بالقوة القاهرة، وهي حالة تنشأ عندما يصبح إجراء الانتخابات متعذراً عملياً بسبب ظروف خارجة عن الإرادة.

المشهد اللبناني اليوم كما يراه بارود، يحمل الكثير من عناصر هذه الحالة، فالحرب اتسعت جغرافياً وارتفعت وتيرتها، مناطق مدمرة، نازحون قتلى، وبنية دولة متعبة بالكاد تدير تداعيات الكارثة، حتى إن قوى سياسية كانت ترفض التمديد رفضاً قاطعاً وتمسكت طويلاً بإجراء الانتخابات في موعدها عادت لتقر بأن تنظيم هذا الاستحقاق في الظروف الحالية يكاد يكون مستحيلاً.

في هذا الإطار يمكن من حيث المبدأ، تفهُم فكرة التمديد المحدود المرتبط بالظروف الطارئة على الأرض لأن الأولوية تصبح عندها حماية الاستقرار ومنع انهيار إضافي في مؤسسات الدولة، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا التمديد من إجراء اضطراري مؤقت إلى خيار طويل الأمد يضع البلاد في حالة تعليق سياسي مفتوح.

ويتوقف بارود عند نقطة يعتبرها بالغة الحساسية، وهي الحديث عن تمديد لسنتين كاملتين، متسائلاً بوضوح: من يملك القدرة على الجزم بأن الحرب ستستمر سنتين؟ وهل يجوز إبقاء الحياة الدستورية معلقة طوال هذه المدة.. فالبلد الذي يعيش أصلاً حالة اضطراب عميقة لا يحتمل إدخاله في فراغ سياسي طويل تحت عنوان التمديد.

ومن هنا يطرح بارود مقاربة أكثر واقعية، إذ يرى أن الحاجة الفعلية قد تكون لبضعة أشهر ريثما تتضح صورة الميدان وتتبلور اتجاهات المرحلة المقبلة، وفي أقصى تقدير يمكن الحديث عن سنة واحدة، مدة تسمح بترميم الحد الأدنى من الاستقرار وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات أما الذهاب أبعد من ذلك فيعني عملياً إدخال البلاد في مساحة ضبابية لا أحد يعرف أين تنتهي.

فيما القلق الذي يعبر عنه بارود لا يقتصر على المبدأ الدستوري فحسب، إنما يمتد إلى التجربة التاريخية اللبنانية التي تحمل سابقة خطيرة في هذا المجال، إذ يستعيد واقعة تعود إلى عام 1967 عندما تقرر تمديد ولاية المجالس البلدية بسبب حرب حزيران، يومها قُدم التمديد بوصفه إجراءً مؤقتاً، لكن ما جرى لاحقاً كان مختلفا تماماً، فقد استمر التمديد سنوات طويلة قبل أن تعود الانتخابات البلدية في عام 1998 ما يثبت أن الإجراءات الاستثنائية في لبنان كثيراً ما تتحول إلى قواعد دائمة.

وعند مراجعة محاضر تلك المرحلة، كما يقول بارود، يظهر بوضوح أن النصوص نفسها كانت تشير إلى أن التمديد غير صالح كقاعدة عامة، ومع ذلك استمر الواقع على حاله لعقود، وهذه الذاكرة المؤسسية تجعل الحذر واجباً اليوم لأن التاريخ اللبناني أثبت أن القرارات الموقتة قد تتحول بسهولة إلى أمر واقع طويل.

في الكواليس السياسية يُطرح أيضاً تبرير آخر للتمديد الطويل، وهو العمل على إعداد قانون انتخاب جديد، إلا أن بارود يعتبر هذا الطرح إشكالياً وخطيراً في آن ، لأن تعديل القوانين الانتخابية لا يمكن أن يصبح ذريعة لتعليق الحياة الديموقراطية لمدة سنتين كاملتين فإصلاح النظام الانتخابي هدف مشروع، لكن لا يجوز أن يأتي على حساب انتظام الاستحقاقات الدستورية.

ما يزيد من قلقه أن فكرة التمديد لسنتين بدأت تجد مؤيدين داخل المجلس النيابي نفسه، إذ تشير المعطيات إلى أن عشرة نواب من كتل مختلفة يميلون إلى هذا الخيار، الأمر الذي يخرج النقاش من إطاره التقني الضيق ويدفعه إلى مستوى سياسي أعمق حيث يصبح السؤال الحقيقي متعلقاً باتجاه الحياة الدستورية في البلاد.

لهذا يؤكد بارود أن المسؤولية تقع اليوم على عاتق النواب قبل أي جهة أخرى، لأنهم الجهة التي تملك قرار التمديد، وبالتالي عليهم أن يدركوا أن كل كلمة تُكتب في الأسباب الموجبة لأي اقتراح قانون ستتحول إلى مرجعية دستورية وسياسية لاحقاً، ما يفرض دقة شديدة في صياغة هذه الأسباب كي لا تتحول إلى باب مفتوح لتمديدات جديدة في المستقبل.

بين واقع أمني مضطرب وضروراتِ الاستقرار السياسي، يبرز السؤال الذي وضعه بارود في صلب النقاش: كم يحتاج لبنان فعلاً من الوقت كي يستعيد قدرته على تنظيم الانتخابات؟

الإجابة، كما يوحي كلامه ينبغي أن تقاس بالحد الأدنى الممكن، سنة واحدة كحد أقصى أو أشهرٍ معدودة لأن الديمقراطية عندما تُزج طويلاً في غرفة الانتظار قد لا تجد طريقها بسهولة إلى الحياة من جديد.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: