في زمنٍ باتت فيه الاتصالات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ركائز أساسية في سيادة الدول واقتصادها، يقف لبنان عند مُفترق خطير، حيث لا تُدار هذه القطاعات بعقل الدولة بل تُقيَّد بتعطيل وعناد سياسي.
فبين مشاريع إنقاذ مُعطّلة، وبنى تحتية مُتهالكة وفرص رقمية تضيع تباعاً، يبرز تأثير حزب الله كعامل حاسم في رسم خارطة الاتصالات والتكنولوجيا في لبنان، ما يضع البلاد بمركز متأخّر في سباق التطوّر الإقليمي.
هنا، تطرح أسئلة جوهرية حول السيادة الرقمية ومستقبل الذكاء الاصطناعي في بلد يملك العقول ويخسر القرار.
في السياق، أشار خبير الاتصالات عامر الطبش في حديثٍ خاص لموقع LebTalks إلى أن "لبنان يمرّ بمرحلة انتقالية تحاول فيها الدولة استعادة القرار المتعلق بقطاع الاتصالات، إلّا أنّ هذه المحاولة لم تبلغ أهدافها بشكل كامل حتى الآن".
واعتبر أنّ "التدخّل السياسي لا يزال حاضراً بقوّة في قرارات وزارة الاتصالات، لا سيّما تلك المرتبطة بالمشاريع الكبرى والتوظيف والمحسوبيات"، مشدّداً على أنّ "وزير الاتصالات شارل الحاج لم يستعد حتى اليوم أكثر من 50% من القرار السيادي في هذا القطاع".
وكشف الطبش عن وجود "فيتو سياسي واضح على القرارات المتعلقة بقطاع الاتصالات في لبنان"، لافتاً إلى أنّ "هذا الفيتو يعود إلى أحداث 7 أيار 2008، حين اعترض حزب الله على تفكيك شبكته الاتصالية الداخلية التي تعمل خارج وصاية الدولة".
أضاف: "لا يوجد أي بلد في العالم يُسمح فيه بإنشاء شبكة اتصالات متكاملة غير خاضعة لسلطة الدولة"، مؤكدًا أنّ "هذا الواقع ينسف كليّاً مفهوم السيادة الرقمية".
واستعاد الطبش التحديات التي واجهها قطاع الاتصالات خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أنّ "لبنان، خلال عهد حكومة حسان دياب، عانى من أزمة مالية واقتصادية خانقة أدّت إلى تعطيل متكرّر لشبكات الإنترنت والاتصالات".
وأوضح أنّ "مصرف لبنان كان يؤمّن في اللحظات الأخيرة المدفوعات المستحقة للشركات الدولية التي توفّر السعات العالمية، ما كان يضع البلد أمام خطر الانعزال الرقمي في أي وقت".
كما لفت إلى أنّ "التهديدات الإسرائيلية زادت من المخاوف حول إمكان تعرّض البنى التحتية للاتصالات، ولا سيّما الكابلات البحرية، لأضرار جسيمة نتيجة القصف"، موضحًا أنّ "هذه المعطيات دفعت وزراء الاتصالات المتعاقبين، منذ حكومة دياب وحتى اليوم، إلى البحث عن خطط طوارئ وبدائل لشبكات الاتصالات، تحسّبًا لأي استهداف محتمل قد يُفقد لبنان اتصاله بالعالم".
وفي هذا الإطار، انتقل الطبش إلى الحديث عن الحلول المطروحة، فأكّد أنّ "مشروع ستارلينك (Starlink) طُرح كخيار بديل، إلّا أنّ حزب الله عارضه فوراً تحت ذريعة الخروقات الإسرائيلية"، مُتسائلًا: "ما هو مفهوم السيادة الرقمية فعليًا؟".
وقال: "ستارلينك هو مشروع إنترنت فضائي يوفّر خدمة الإنترنت عالي السرعة عبر شبكة من الأقمار الصناعية الصغيرة ذات المدار المنخفض"، وهو تابع لشركة سبيس إكس (SpaceX) التي أسّسها ويملكها رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك".
ورأى الطبش أنّ "حزب الله يخشى من ستارلينك لكونه وسيلة جديدة للحصول على البيانات (Data)، خصوصًا أنّه غير خاضع للمنظومة المحلية وغير متوافر أصلاً في لبنان" معتبراً أنّ "هذا التخوّف يتقاطع مع ما تبيّن لاحقاً من اختراقات واسعة طالت شبكة الحزب، ولا سيّما في قضية أجهزة الـPagers".
أضاف: "عندما أدخل الحزب هذه الأجهزة إلى لبنان، اعتبر أنّه "بيفهم أكثر من الدولة"، ولكن "هو وقّع حاله بحاله"، مُشدّدًا على أنّ "الحزب تعرّض لأقصى مستويات الاختراق المُمكنة، وصولًا إلى اغتيال حسن نصرالله، ما يُسقط أي مبرّر لمعارضة ستارلينك". واعتبر أنّ "لبنان لا يمكنه الاتّكال على حزب الله لإدارة قطاع الاتصالات".
وتابع: "الجهة التي تعجز عن ضبط بيئتها لا يحقّ لها أن تلقن غيرها بدروس في الحماية"، كاشفاً عن أنّ "وزارة الاتصالات نسّقت مع الأجهزة الأمنية، وتمّ الاتفاق على متطلبات متقدّمة للأمن السيبراني وافقت عليها ستارلينك، وجرى تأمين المعدات اللازمة".
كما تطرّق الطبش إلى مشاريع أخرى تهدف إلى تحسين الاتصالات، فأشار إلى أنّ "قبرص أبدت استعدادها لتحمّل كلفة تحديث خط قدموس البحري، إلّا أنّ هذه المبادرة قوبلت أيضاً بالاعتراض من قبل حزب الله".
خطّ قدموس هو مشروع كابل ألياف ضوئية بحري يربط لبنان بقبرص، ويهدف إلى تعزيز سرعة الإنترنت وجودة الاتصالات الدولية في لبنان. ويشكّل هذا الخط بوابة أساسية لربط لبنان بشبكات الإنترنت الأوروبية والعالمية.
وأفاد بأن "آخر تطوير جدّي للبنى التحتية البحرية للاتصالات في لبنان يعود إلى أكثر من 20 عاماً"، معتبرًا أنّ "المعارضة المستمرّة لمشاريع الاتصالات تُشكّل دليلاً واضحاً على الفيتو المفروض من قبل الحزب، وبمشاركة بعض النواب الحلفاء".
واعتبر أنّ "النتيجة المُباشرة لهذا الواقع هي تدمير رقمي ممنهج يطال الشباب اللبناني، في ظلّ بنى تحتية متهالكة على وشك الانهيار"، لافتاً إلى أنّ "شركات اتصالات واستثمارات تكنولوجية عدّة غادرت لبنان نتيجة هذا الانسداد".
وفي حديثه عن أهمية القطاع، شدّد طبش على أنّ "الاتصالات تشكّل ركيزة أساسية في الدورة الاقتصادية لأي دولة"، مُعتبراً أنّ "لبنان لم يستفد من هذه الركيزة، بل تمّ استنزافها ونهبها في مراحل سابقة".
وكشف عن "وجود ملفات ودعاوى عالقة أمام النيابة العامة تُثبت حجم الفساد الذي تعرّض له قطاع الاتصالات منذ العام 2011 وحتى اليوم".
وختم الطبش بالتحذير من أنّ "استمرار هذا النهج التعطيلي سيُعيد اللبنانيين إلى استخدام الحمام الزاجل في لبنان"، مُعتبراً أنّ "التغيير حتمي، لكن الخطر يكمن في الوقت الذي سيستغرقه"، مؤكّداً أنّ "لبنان يمتلك مهلة لا تتجاوز السّنة لاتخاذ قرارات جذرية لإنقاذ قطاع الاتصالات".
أمّا من جهته، فرأى رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في CHIZL والمستشار في الذكاء الاصطناعي لدى وزارة الدولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي في لبنان، جان – بيار فخري، أنّ "لبنان، وبالمقارنة مع دول المنطقة ولا سيّما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، يُعدّ متأخّراً نسبياً في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، نتيجة الفجوات الكبيرة على مستوى البنية التحتية، والتمويل، وحجم الاستثمارات الوطنية المخصّصة لهذا القطاع".
إلّا أنّه أكّد في المقابل أنّ "لبنان لا يزال يمتلك رصيداً قويّاً من المواهب، إلى جانب مجتمع ناشئ ومتنام في مجال الذكاء الاصطناعي"، مشيراً إلى أنّ "معظم المبادرات القائمة اليوم تنطلق من القطاع الخاص ومن جهود فردية".
وتابع فخري أنّ "لبنان ليس خارج سباق الذكاء الاصطناعي على الإطلاق"، موضحاً أنّ "على مستوى المواهب والشركات الناشئة، لا تزال القدرة التنافسية اللبنانية قائمة"، كاشفاً عن "ازدياد ملحوظ في عدد شركات الذكاء الاصطناعي التي يؤسّسها لبنانيون، سواء داخل البلد أو في الخارج".
وفي ما يتعلّق بدور الدولة، أوضح أنّ "أزمتي الكهرباء والإنترنت تشكّلان العائق الأكبر أمام النمو المحلي، إذ تؤثّران مباشرة على قدرة الشركات الناشئة على التوسّع وبناء منظومة متكاملة ومستدامة". واعتبر أنّ "لبنان لا يزال منافساً من حيث الكفاءات البشرية، إلّا أنّ التحدّي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الكفاءات إلى شركات محلية قادرة على الاستمرار والنمو".
وتطرّق فخري إلى تجربته الشخصية في هذا المجال، قائلاً: "أعمل في قطاع الذكاء الاصطناعي منذ أكثر من خمس سنوات، بما في ذلك خلال الفترات الأصعب التي مرّ بها لبنان، ورغم ذلك كان بالإمكان مواصلة العمل والتعاون مع جهات خارجية".
أضاف: "صحيح أنّ الظروف الحالية ليست مثاليّة، لكن اللبنانيين يتميّزون بقدرة عالية على التكيّف"، لافتاً إلى أنّ "طبيعة العمل في الذكاء الاصطناعي، ولا سيّما إمكان العمل عن بُعد مع شركات حول العالم، تمنح هذا القطاع مرونة إضافية في بيئة معقّدة كلبنان".
وشدّد فخري على أنّ "مستقبل الذكاء الاصطناعي في لبنان واعد للغاية، لا سيّما لناحية النمو المتسارع في عدد المواهب"، خاتماً بالقول: "يبقى الإنسان المورد الأهمّ في لبنان، وهذه القاعدة المتنامية من الكفاءات قادرة على إحداث أثر إيجابي وحقيقي في مُستقبل البلاد".
إذاً، مصادرة مصلحة الوطن وقرارات الدولة لا تصنع قوّة، ولا تمتّ بصلة لما تسمّونه "مقاومة"، بل تكشف عن فشلكم الذريع في فهم المعنى الحقيقيّ للدولة الحديثة.
فالقوّة لا تُبنى على احتكار القرار ولا على تعطيل مستقبل بلدٍ كامل. أمّا العيش في أوهامك، فلن يُنتج سيادة، ولن يدوم نفوذاً، ولن يحمي جيلاً يُدفع يوماً بعد يوم إلى الهجرة أو التهميش.
لقد حان الوقت ليعيش الشباب اللبناني في بلد لا تُدار حياته بعقلية السيطرة والوصاية، بل بمنطق الدولة والحقّ والمستقبل.