مع استمرار التوترات الأمنية في عدد من المناطق اللبنانية، ولا سيما في الجنوب، تشهد السوق العقارية حركة لافتة باتجاه مناطق تُعتبر أكثر أمانًا نسبيًا، مثل إقليم الخروب، الشمال، وبعض بلدات جبل لبنان. هذه الحركة لا تقتصر على الاستئجار فقط، بل بدأت تشمل شراء شقق وأراضٍ بشكل متزايد، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة هذا التحول، أسبابه، وانعكاساته على المدى القريب والبعيد.
ويؤكد مختار إحدى بلدات إقليم الخروب أن الفترة الأخيرة شهدت تزايدًا ملحوظًا في عدد العائلات القادمة من الجنوب، سواء للبحث عن سكن موقت أو للاستقرار لفترة أطول. ويشير إلى أن بعض هذه العائلات اتجه إلى الشراء بدل الإيجار، في ظل ارتفاع الإيجارات وعدم وضوح الأوضاع الأمنية، ما دفع الكثيرين إلى البحث عن حل سكني أكثر استقرارًا.
يضيف أن هذا التحول بدأ ينعكس على الحياة اليومية في بعض البلدات، من حيث ارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية مثل المدارس والمياه والكهرباء، إلى جانب ضغط إضافي على البنى التحتية، رغم محاولات البلديات مواكبة هذا الواقع الجديد.
من جهته، يوضح الخبير العقاري مصباح شحادة عبر LebTalks أن السوق العقاري في لبنان يشهد منذ فترة حالة غير مستقرة، إلا أن الحرب الأخيرة سرعت من إعادة توزيع الطلب بين المناطق. ويقول إن المناطق المصنفة "آمنة نسبيًا" أصبحت وجهة رئيسية للباحثين عن سكن.
ويشير إلى أن معظم عمليات الشراء تتم نقدًا، في ظل الأزمة المصرفية المستمرة، بينما تختلف مصادر التمويل بين تحويلات من الخارج، تعويضات، مدخرات عائلية، أو حتى بيع ممتلكات في مناطق أخرى. ويؤكد أن هذا الواقع ساهم في تنشيط السوق في بعض المناطق بشكل غير متوازن مقارنة بمناطق أخرى تشهد ركودًا.
وأفاد شحادة بأن "تنشط عبر مواقع التواصل الاجتماعي صفحات عدة متخصصة بعرض وبيع العقارات، ما ساهم في تسريع عمليات العرض والطلب، وتوسيع دائرة الوصول إلى المشترين، خصوصًا في ظل غياب أدوات تسويق تقليدية فعّالة".
وتُظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في لبنان (OCHA) أن عدد المسجلين كنازحين داخل البلاد تجاوز 1.1 مليون شخص.
وأشار المكتب إلى أن أكثر من 137 ألف شخص، يقيمون في نحو 700 مركز إيواء جماعي، معظمها مدارس، فيما يقيم العدد الأكبر من النازحين لدى المجتمعات المضيفة أو في تجمعات سكنية غير رسمية.
وفي ظل هذا المشهد، تتزايد تساؤلات بين الأهالي والمتابعين حول ما إذا كانت حركة الانتقال وشراء أو استئجار العقارات في بعض المناطق الآمنة ناتجة فقط عن الظروف الأمنية والدمار في مناطق الجنوب، أم أن هناك توجيهًا أو تشجيعًا غير معلن من جهات معينة يدفع بعض العائلات إلى الاستقرار في مناطق جديدة باعتبار أن العودة إلى مناطقهم قد لا تكون قريبة في المدى المنظور.
كما تتداول في بعض الأوساط مخاوف وتساؤلات لدى عدد من المواطنين حول طبيعة هذا التحول في الحركة السكانية والعقارية، وما إذا كان يرافقه قلق من احتمالات استهداف أو توظيف سياسي أو أمني للمناطق التي تشهد استقرارًا نسبيًا.
وفي ظل استمرار هذا المشهد المتغير، تبقى السوق العقارية اللبنانية أمام مرحلة إعادة تشكّل واضحة، تعكس تداخل العوامل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في آنٍ واحد، وسط غياب استقرار شامل يحدد اتجاهاتها المستقبلية.