في لحظة تتقاطع فيها الأسئلة مع القلق العام، يبرز قرار نقل ملكية مشاعات جبل لبنان من البلديات إلى الدولة كملف يتجاوز الإجراء الإداري إلى مساحة أكثر حساسية، حيث تتداخل الصلاحيات مع هواجس الناس، وتُفتح أبواب التأويل على مصراعيها خصوصاً حين يُلامس الأمر ملكيات غير واضحة الحدود أو غائبة المتابعة.
بالتالي، الخطوة التي أقدم عليها وزير المالية ياسين جابر لم تُرأ في الأوساط البلدية على أنها تفصيل تقني عادي، إذ بدا واضحاً أن خلفياتها ترتبط بمحاولة الالتفاف على اعتراض البلديات التي تنظر إلى هذه المشاعات كجزء من نسيجها المحلي، وترى في تحويلها إلى ملكية مركزية مدخلاً لتحويلها إلى مساحات سكنية خارجة عن أي تخطيط عمراني منضبط، ما يهدد التوازنات القائمة ويضعف قدرة السلطات المحلية على إدارة أراضيها.
في هذا السياق، يكشف عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غياث يزبك عن تحرك منسق، حيث تم تشكيل وفد ضم رؤساء البلديات المعنية، توجه إلى وزير المالية لطرح الاعتراضات بشكل مباشر، واضعاً يده على مكامن الخلل التي قد تترتب على هذا القرار لا سيما لجهة فتح الباب أمام استخدامات غير منضبطة للمشاعات.
ويشير يزبك في حديثة إلى موقع LebTalks إلى أن النقاش مع الوزير لم يكن شكلياً، إذ جرى تقديم مجموعة تعديلات أساسية هدفها ضبط أي استنسابية محتملة في تطبيق المذكرة الصادرة، بعدما لوحظ أنها تمنح طابعاً قانونياً واسعاً، فيما هي في جوهرها تدبير إداري قابل للتأويل الأمر الذي دفع التكتل إلى وضع خطوط حمراء واضحة لمنع أي انزلاق نحو سوء الاستخدام.
المطلب الأبرز تمثل في ضرورة إصدار مذكرة جديدة تُلغي صراحة المذكرة السابقة الصادرة العام 2015 عن وزير المالية الأسبق علي حسن خليل، نظراً لما تحمله من ثغرات خطيرة تمس بحقوق المواطنين، وتطرح إشكاليات تتصل بمبدأ المساواة الذي يكفله الدستور، إلى جانب ما قد تفتحه من احتمالات للاعتداء على الملكية الفردية التي تُعد من الثوابت الدستورية.
يضيف يزبك أن التمييز بين أنواع الأراضي يبقى أساسياً، فهناك أراض لا مالك واضحاً لها وأخرى تعود لأصحاب موجودين في الاغتراب، ما يستدعي الحذر من أي توصيات غير دقيقة قد تصدر عن بعض المخاتير، فتتحول إلى مدخل لوضع اليد على أملاك خاصة تحت غطاء إداري ملتبس، وهو ما يستوجب تشديد الرقابة ووضع معايير واضحة تمنع التلاعب.
أما في ما يتعلق بدور البلديات، فيشدد على أن هذه الأراضي تقع أساساً ضمن نطاق سلطتها ومن غير المقبول تجريدها من هذا الحق عبر تفسيرات فضفاضة للنصوص القانونية، لما في ذلك من مساس مباشر باللامركزية الإدارية وإضعاف لدور المؤسسات المحلية في إدارة شؤونها.
القلق يتصاعد أكثر عند إسقاط هذا النموذج على مواقع حساسة، إذ يحذر يزبك من أن اعتماد هذه المقاربة قد يفتح الباب أمام اعتبار أراض استراتيجية، كمحيط مرفأ بيروت ملكاً مباشراً للدولة تديره وزارة المالية تحت عنوان ضبط أملاكها، وهو طرح يبدو في ظاهره مشروعاً، لكنه يحمل في طياته مخاطر كبيرة إذا استُخدم خارج الضوابط، ما قد يحوله إلى مدخل لإعادة رسم الملكيات بطريقة إشكالية.
في المقابل، يؤكد الخبير القانوني والدستوري سعيد مالك أن الملف قيد المتابعة الدقيقة، مشيراً إلى وجود تواصل مع وزير المالية بهدف إصدار تعميم تعديلي يحد من الالتباسات القائمة، لافتاً إلى أن مهلة الطعن بالمذكرة تمتد لشهرين من تاريخ صدورها، ما يتيح إعداد مراجعة قانونية متكاملة في حال عدم التجاوب.
ويختم بالإشارة إلى أن المسار لا يزال مفتوحاً بين خيار التعديل وخيار الطعن مع مهلة إضافية سوف تمنح لإعداد دراسة قانونية معمقة خلال شهر في حال بقيت الملاحظات من دون معالجة، الذي يجعل هذا الملف أمام اختبار دقيق بين تصحيح المسار أو الذهاب إلى مواجهة قضائية ترسم حدوده بشكل نهائي.