تثير الحملة التي يتعرض لها النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر تساؤلات متزايدة في الأوساط القضائية والقانونية حول دوافعها الحقيقية وتوقيتها، ولا سيما أنها تتزامن مع متابعة عدد من الملفات المالية الحساسة التي استأثرت باهتمام الرأي العام اللبناني خلال الفترة الأخيرة.
ومنذ تسلّمه مهامه، نجح القاضي صادر في ترسيخ مقاربة قضائية تقوم على الهدوء والصرامة والالتزام الدقيق بأحكام القانون، بعيداً من الضجيج الإعلامي والمواقف الشعبوية. وقد واجه خلال توليه المسؤولية ملفات معقدة ودسمة، بعضها لا يزال قيد المتابعة والتحقيق، وتشمل قضايا مالية واقتصادية وأخرى ذات طابع جزائي حساس، استدعت مقاربة دقيقة وحازمة حفاظاً على حقوق الأطراف كافة وصوناً لمقتضيات العدالة.
وتؤكد أوساط متابعة أن الهجمات المتكررة على القاضي صادر لا يمكن فصلها عن طبيعة الملفات التي أشرف عليها في الآونة الأخيرة، والتي طاولت شبهات تتعلق بالمال العام وبنشاطات مالية معقدة، فضلاً عن أسماء معروفة وشخصيات نافذة تتمتع بحضور سياسي أو اقتصادي مؤثر. وترى هذه الأوساط أن بعض الانتقادات الموجهة إليه قد تكون مرتبطة بالتقدم الذي أحرزته التحقيقات في عدد من هذه الملفات، ولا سيما مع تداول معلومات عن احتمال توسع دائرة الملاحقات لتشمل مستويات أعلى من المسؤولية إذا ما أظهرت التحقيقات ما يبرر ذلك قانوناً.
وفي هذا الإطار، يبرز ملف "BetArabia" كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل. فقد شهد إجراءات قضائية متقدمة شملت إصدار مذكرات توقيف بحق عدد من الأشخاص، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة لكشف مختلف جوانبه وتحديد المسؤوليات القانونية المترتبة على المتورطين فيه. وبحسب مصادر قضائية مطلعة، فإن مسار هذا الملف لم يكن سهلاً، إذ رافقته محاولات وضغوط متعددة هدفت إلى التأثير على مجرى التحقيقات أو الدفع باتجاه إفراغ الملف من مضمونه القانوني، إلا أن الإجراءات القضائية استمرت وفق الأصول، واستندت القرارات المتعلقة بالتوقيفات والملاحقات إلى معطيات الملف والأدلة المتوافرة، لا إلى اعتبارات سياسية أو إعلامية.
وتشدد مصادر قضائية على أن النيابة العامة ليست جهة ادعاء فحسب، بل هي أيضاً حارسة للحق العام والمال العام، وأن مسؤوليتها الأساسية تكمن في حماية المجتمع وضمان حسن سير العدالة. ومن هذا المنطلق، تعامل القاضي صادر مع ملفات التوقيف وإخلاءات السبيل وفق معايير قانونية واضحة، بعيداً عن أي اعتبارات استنسابية، مستخدماً صلاحياته القانونية عندما رأى أن بعض القرارات قد تؤثر على مسار التحقيقات أو على إمكانية الوصول إلى الحقيقة.
كما تذكّر هذه الأوساط بأن منظومة العدالة الجزائية لا تقتصر على النيابة العامة الاستئنافية وحدها، بل تضم قضاة التحقيق والهيئات القضائية المختصة وسائر الجهات المعنية، في إطار تكامل مؤسساتي يهدف إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.
وفي مقابل الحملات التي تستهدفه، يتمسك القاضي صادر، وفق مقربين من أجواء العمل القضائي، بمنهجية تقوم على تطبيق القانون بحرفيته وروحه، وعلى ترك الكلمة الفصل للتحقيقات والأدلة والقرارات القضائية المختصة. وقد أسهم هذا النهج، بحسب متابعين، في تعزيز الثقة بدور النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان باعتبارها مؤسسة حريصة على حماية الحق العام وحسن تطبيق العدالة وصون المال العام.
وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات الجارية، يبقى السؤال مطروحاً: هل ترتبط الحملة على القاضي سامي صادر بأدائه القضائي فحسب، أم أنها تعكس انزعاجاً لدى بعض المتضررين من استمرار فتح ملفات مالية شائكة لا تزال مليئة بالمفاجآت؟ الإجابة تبقى رهناً بما ستظهره الوقائع القضائية في المرحلة المقبلة، بعيداً من الحملات والاتهامات المتبادلة.