مع تدهور الأوضاع الإقليمية، ولا سيما عودة العمليات العسكرية من وإلى إيران، تُطرح الأسئلة عن مصير الوضع النفطي والجيوسياسي في المنطقة.
بداية، دعونا نشير إلى تحديث خطوط الأنابيب النفطية التي تمتد من العراق ومن المملكة العربية السعودية إلى لبنان، وتحديد محطات الوصول. فتلك الخطوط تمتد من العراق ومن المملكة العربية السعودية إلى لبنان، فلطالما كانت ثمة خطوط تصل إلى صيدا وطرابلس عبر الزهراني والبداوي، كذلك خطوط الإمداد النفطي من العراق إلى البداوي وصيدا.
لكن المشكلة على الصعيد اللبناني تكمن في توقف المصانع والمرافئ والمحطات والمصفاة، مما أثر على القدرة التصديرية المحلية.
هذا في الموضوع اللبناني النفطي، أما في الموضوع الأشمل جيوسياسيًا، فإن ثمة بدائل لتصدير النفط يُعمل عليها، مع تحول لبنان والمنطقة ليكونا بوابة لتصدير النفط المتوسطي باتجاه أوروبا.
أزمة مضيق هرمز أجبرت الدول على البحث عن بدائل لتصدير النفط العالمي، لذا فإن حوالي مليوني برميل يوميًا سوف يتم تصديرها عبر تلك الأنابيب المستحدثة أو المعاد العمل بها.
سوريا أصبحت مُصدِّرة نفطيًا على ساحل المتوسط، ومن هنا دخول شركات فرنسية واستثمارات لتطوير مرافق التصدير، كالشركات الفرنسية إيجي التي تستثمر في مرفق اللاذقية كبوابة تصدير لأوروبا، وثمة العديد من الشركات التركية والأوروبية (الألمانية والهولندية) المشاركة أو المهتمة بجلب النفط إلى أوروبا.
وبالتالي، ومن الناحية الجيوسياسية، تعتبر المنطقة المتوسطية بديلًا لمسارات التصدير التقليدية عبر مضيق هرمز، لصالح خطوط وأنشطة بحرية وبرية جديدة.
أما بالنسبة إلى إغلاق مضيق هرمز والبدائل البحرية، فقد بات واضحًا أن أي إغلاق لمضيق هرمز سيساهم في انتقال التصدير النفطي إلى مسارات بديلة عبر المحيط الهندي وباب المندب والمتوسط.
الدول الخليجية، من جهتها، ستبحث عن موانئ ومنافذ بديلة لتصدير نفطها عبر المحيط الهندي، وعبر باب المندب أو رأس الرجاء الصالح.
هذا التغيير سيكسر الطوق الإيراني ويجعل إيران في هرمز محاصرة ومعزولة.
من هنا، فإن الهدف من الضغط على إيران وإحداث تغيير نمطي داخلها هو الدفع نحو تغيير داخلي للنظام الإيراني.
فالضغط قد يؤدي إلى انهيار تدريجي يحتاج إلى سنوات، وبأثمان باهظة (تكلفة اقتصادية وسياسية وأمنية) على الإيرانيين.
في العراق، هناك تحدٍّ كبير وخطير يواجه الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي، ألا وهو محاربة الفساد وفتح الاقتصاد العراقي. فثمة معركة داخل العراق ضد الفساد وفتح البلاد أمام الاستثمارات العالمية، وقد كُلِّفت شركات أميركية وعالمية بفتح العراق أمام الاستثمارات الأوروبية والأميركية، بالتوازي مع مبادرات لبناء قوة وطنية جديدة، وقوات وطنية وجيش وطني جديد.
فنجاح هذه المعركة في العراق سيضرب الميليشيات، ويكون ضربة قاصمة لنظام الملالي، وضربة مركزية لقدرة إيران على النفوذ عبر الميليشيات.
التقارب العراقي - السوري مهم جدًا، لأن للقوى الإقليمية دورها الهام في تغيير المنطقة.
فهذا التقارب بين العراق وسوريا تم بمباركة دولية وإقليمية، وقد حصل بدعم الأميركيين، وبنفس الوقت بمباركة تركية وخليجية.
فأهمية هذا التقارب الإقليمي تهدف إلى الوصول إلى أعلى درجة من التنسيق مع الجهات الدولية والإقليمية للتأثير على نفوذ إيران، سيما وأن ثمة خشية إقليمية من اليمن وباب المندب في ظل عودة الحراك الحوثي المعادي والمدعوم إيرانيًا.
فمخاطر أمن الملاحة في باب المندب ليست بالقليلة، وتأثيرها على خطوط الشحن والطاقة كبير وخطير، وبالتالي ثمة قلق من تهديدات الحوثيين للممرات البحرية، فإيران أو حلفاؤها يحاولون خلق معوقات ورفع كلفة التصدير عبر البدائل البحرية.
لذا، نحن أمام سيناريوهات التصعيد العسكري وتبادل الصواريخ بنمط تصاعدي في الضربات والصواريخ بين الطرفين، مع استمرار التصعيد والمواجهة مع إيران، وعدم استبعاد توسع العمليات العسكرية واحتمالات تدمير بنى تحتية (موانئ ومناطق ومساكن)، وتوسيع نطاق الحرب إذا استمر التصعيد.
خليجيًا، تتفاوت الاعتبارات بين دول الخليج في تعاطيها مع التهديد الإيراني ودورها في أي عملية محتملة.
فالإمارات والسعودية كانتا قياديتين في الملف، وذات مواقف واضحة: "الإمارات أول من واجه، فيما المملكة معروفة بكونها عملاقة في السياسة."
من هنا، فإن ما يميز الخليج حاليًا أن كل دولة تنظر إلى إيران من منظار مصالحها الأمنية والقومية، وبالتالي اختلفت الحسابات بين الإمارات والسعودية والكويت وقطر.
ختامًا، تبقى الأسئلة الكبيرة مطروحة في الملف النفطي والجيوسياسي: فهل سيتخذ العراق قرارًا "للذهاب إلى عملية جراحية" ضد الميليشيات؟ وما تكلفة ذلك على الدولة والمنطقة؟ وكيف ستتعامل القوى الإقليمية (الإمارات، السعودية، تركيا، الولايات المتحدة) عمليًا مع مسألة فتح بدائل التصدير وقطع طريق هرمز؟
الأيام والأسابيع القليلة المقبلة كفيلة بالإجابة عن تلك الأسئلة.