تعقيدات الملف اللبناني داخلياً وإقليمياً… وصولاً الى منصة إيران - أميركا

1264387_1780902281

ثمة أمر لا يلتفت إليه كثير من المتابعين والمحللين لتطور العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فقد بلغ الأمر برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال الساعات الماضية، حدّ التصريح بوجوب عدم الاتكال على الولايات المتحدة بعد اليوم في شراء وإنتاج السلاح، وذلك رداً على هجوم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس على الحكومة الإسرائيلية، مستعيداً ما اعتبره الأفضال التي قدّمتها الولايات المتحدة لإسرائيل، ومؤكداً أنه لولا هذا الدعم لما بقيت إسرائيل على ما هي عليه اليوم.

هذا التراشق غير المباشر، إن دلّ على شيء، فعلى حصول تحول تاريخي في العلاقات بين البلدين، التي لطالما مالت إلى مراعاة المصالح الإسرائيلية في المنطقة على حساب مصالح سائر الحلفاء.

أما اليوم، فثمة صراع بدأ يتظهّر بين البلدين غداة التوقيع على مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية. وهذا الصراع يسجّل، في حدّته، سابقة لم تُشهد منذ ستينيات القرن الماضي، ويشكّل مفترقاً خطيراً في معادلات الصراع الإقليمي وحسابات المصالح.

أقل ما يمكن قوله حالياً إن ثمة صداماً أميركياً – إسرائيلياً، وهذا الصدام يعكس، في مكان ما، الانقسام الحاد داخل الإدارة الأميركية بين معسكر الصقور، الذي يتصدره وزير الخارجية ماركو روبيو والسيناتوران تيد كروز وليندسي غراهام، وهو معسكر لا يوافق على المنحى "التنازلي"، بحسب وصفه، تجاه إيران في ملفات عدة، ولا سيما المالية منها، ويدعم إسرائيل ومواقفها؛ وبين معسكر مقابل يتزعمه نائب الرئيس جي دي فانس والثنائي ويتكوف وكوشنير وتيار "ماغا"، والذي لا يرى مانعاً من المضي قدماً في اتفاق مع إيران، حتى ولو لم يراعِ بالكامل مصالح حلفاء واشنطن في المنطقة، وفي مقدمهم إسرائيل ودول المنطقة.

والملاحظ أن الهند تصطف إلى جانب الصقور داخل الإدارة الأميركية، في مقابل اصطفاف باكستان إلى جانب معسكر التفاوض والسلام مع إيران.

من هنا تتجلى مظاهر الصدام السياسي بين واشنطن وتل أبيب، إلى حد خروج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بموقف مستغرب حين أعرب عن إحباطه من فشل إسرائيل في القضاء على حزب الله، وهدد إيران قائلاً: "على طهران أن توقف فوراً دعم وكلائها في لبنان، وإذا لم تفعل فسنضرب إيران بقوة مجدداً".

طبعاً، فإن مثل هذا الموقف موتور، لأن إدخال سوريا في لعبة القضاء على سلاح حزب الله يعني اندلاع حرب أو صراع طائفي سني – شيعي يخفي في طياته كثيراً من الأحقاد والانتقامات والقتل والتدمير.

في المقابل، يبدو موقف إسرائيل ونتنياهو والكادر العسكري الإسرائيلي حذراً وغاضباً. فقد حذرت إسرائيل من أن الهدنة هشة، وأن الانسحاب من لبنان غير وارد، بحسب تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس. كما كرر نتنياهو القول: "سنبقى في جنوب لبنان طالما اقتضت الضرورة".

فيما وصف رئيس الأركان الإسرائيلي وضع حزب الله بأنه "صعب جداً"، داعياً القوات الإسرائيلية إلى الحفاظ على درجة عالية من الجهوزية لاستئناف النشاط القتالي.

لقد تحول الصراع في لبنان، للأسف، إلى صراع إيراني – إسرائيلي على أرض الجنوب اللبناني، كما تعكسه المعركة على تلة علي الطاهر، والتي مست بالنفوذ الإيراني، ولا سيما مع ما يُحكى عن وجود للحرس الثوري الإيراني في الجنوب ومشاركته في إدارة وتنفيذ العمليات الأخيرة ضد إسرائيل.

وفي ما يختص بموقع علي الطاهر، لا بد من ملاحظة أن المعركة لم تكن فقط على الحدود، بل حول مستقبل النفوذ الإيراني في لبنان من خلال هذه النقطة الاستراتيجية. وقد وُصفت المنطقة بأنها محصنة تحت الأرض ويصعب استهدافها جواً، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى تطويقها تمهيداً لاقتحامها.

ومن يتابع الخطاب الأخير للشيخ نعيم قاسم يلحظ أنه يتحدث بعبارات قوية وكأنه منتصر، مستعرضاً أن المرحلة أسفرت عن "كسر المشروع الأميركي والإسرائيلي"، ورافضاً أي وقف لإطلاق النار يتيح لإسرائيل حرية الحركة.

فخطاب قاسم يبدو منفصلاً عن الواقع، ويخدم رفع الروح المعنوية لدى مقاتلي حزب الله وبيئته، فيما يظهر الميدان تآكلاً في مواقف الحزب.

وفي سياق متصل، ذُكر أن إيران وصلت إلى مرحلة نشر إعلانات للانتساب إلى حزب الله في طهران برواتب تصل إلى ألف دولار شهرياً، ما يكشف صعوبة متزايدة في استقطاب العناصر والحفاظ على المواقع.

وفي الجنوب، أعلن الجيش الإسرائيلي العثور على نفق تحت الأرض في قرية مجدل زون يحتوي على مئات قطع السلاح. كما أعلن أنه قضى على أكثر من عشرين عنصراً من حزب الله، بينهم عشرة من قوة الرضوان، ودمر أكثر من خمسين بنية تحتية عسكرية، من مواقع مراقبة ومستودعات أسلحة. كما تحدث عن أنفاق ومنشآت تابعة للحزب كانت تقع تحت منازل المدنيين، ولها مداخل في بيوت ومدارس وأسواق، ما جعل المدنيين دروعاً بشرية وأدى إلى دمار هائل في المدن والقرى.

مهما تكن تعقيدات الوضع اللبناني وتشعباته، فإن المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية غير المباشرة انطلقت من واشنطن، وقيل إنها ستكون الساحة الرئيسية لمناقشة الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، لا سويسرا ولا طهران.

أما طهران، وفي ما اعتُبر تدخلاً سافراً في الشأن اللبناني السيادي، فقد ضغطت من أجل التهدئة، إلا أن ذلك وُصف بأنه دفاع عن أحد أهم حصونها المتقدمة في المنطقة، أي حزب الله، لا دفاعاً عن لبنان نفسه. وما تهديداتها بوقف المباحثات مع الولايات المتحدة إذا لم تُلبَّ مطالبها المتعلقة بوقف إطلاق النار وحماية مواقعها الاستراتيجية، إلا دليل على أهمية آخر حصونها في المنطقة.

وفي المقابل، يتبين وجود ضعف في الجيش اللبناني وفراغ سياسي يجعل الدولة عاجزة عن نزع سلاح الحزب خارج مؤسساتها أو حماية سيادتها على كامل حدودها.

لذلك تتكرر الدعوات إلى ضرورة تحرك الدولة اللبنانية مباشرة على الأرض لتنفيذ قراراتها، تفادياً لتحويل لبنان إلى ورقة على طاولة إيرانية جديدة، أو لاستغلال الدول المجاورة لحالة الفراغ القائمة.

وعلى صعيد آخر، لا تزال امتدادات حزب الله إلى سوريا وعمليات تهريب السلاح ناشطة. فالأنفاق المكتشفة بين لبنان وسوريا تُستخدم لتهريب السلاح، فيما تتحدث المعطيات عن استمرار تهريب الأسلحة والمخدرات، ولا سيما الكبتاغون، عبر شبكات ضبطت السلطات السورية عدداً منها.

ويبقى أن نشير إلى أن ثمة في واشنطن من يطرح دفع المسار التفاوضي نحو سلام بين لبنان وإسرائيل، شرط استعادة السيادة اللبنانية على الجنوب وسحب سلاح حزب الله. فالسلام، بالنسبة إلى هذا الطرح، مصلحة لبنانية تؤمن الأمن والاقتصاد والانفتاح.

فكما أن هناك شريحة كبيرة من اللبنانيين تعارض السلام لأسباب أيديولوجية أو لارتباطها بمحور إيران، هناك أيضاً شريحة واسعة تطالب به لأغراض الاستقرار والتنمية.

ومهما يكن من أمر، تبقى أسئلة أساسية وحقيقية مطروحة:

- لماذا لم تُبنَ ملاجئ مدنية لسكان المناطق الجنوبية الذين اضطروا إلى النزوح؟

- كيف يمكن دفع المسار نحو سلام في ظل معارضة واسعة داخل لبنان وحضور قوي لحزب الله؟

- هل ستحول الدولة أقوالها إلى أفعال خلال الجلسة الخامسة للمفاوضات، المنعقدة اعتباراً من يوم الثلثاء ولمدة ثلاثة أيام، أم ستبقى في إطار البيانات الإعلامية؟

- هل سيسقط المقر الاستراتيجي في علي الطاهر فعلاً؟ وما هي تبعات ذلك الدقيقة على انتشار حزب الله في الجنوب؟

أسئلة برسم الساعات والأيام المقبلة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: