ما حصل في الساعات القليلة الماضية يحملنا على إجراء التقييم التالي:
أولاً: اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وبغضّ النظر عن إمكانية استبداله بمرشدٍ آخر، يشكّل ضربة قاصمة لمنظومة حكم الملالي ونظامهم، فضلًا عن كونه كشف حقيقة أنّ هذا النظام، الذي لطالما اعتبر نفسه ندًّا لإسرائيل وحتى للولايات المتحدة الأميركية، لم ينجح حتى في حماية رأسه الهرمي الأعلى. فكيف كان يعتبر نفسه رأس محور ممانعة ومقاومة ممتد من طهران إلى بيروت في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة وقوى الاستكبار؟
ثانيًا: ثبت في الساعات القليلة الماضية، وحتى إشعارٍ آخر، وهن ليس فقط النظام في الجمهورية الإسلامية في إيران، بل والوهن في منظومة الوكلاء، أي حلفاء النظام الإيراني. هذا الوهن تجلّى في غياب أيّ ردّة فعل على مستوى الحدث من جانب حزب الله في لبنان، والحوثي في اليمن، والحشد الشعبي وحزب الله العراقي في العراق… ما طرح أكثر من علامة استفهام، تسري أيضًا على القادة الإيرانيين أنفسهم: هل هناك فقدانٌ للتواصل والاتصالات بين القادة في إيران والوكلاء، كما بين القادة الإيرانيين أنفسهم، بفعل التشويش الإلكتروني والفضائي الأميركي وقطع شبكات الاتصال والتواصل بين القيادات وبينها وبين الأذرع، وربما الحرس الثوري وقياداته العليا، بدليل سهولة اغتيال قادة عسكريين وأمنيين وسياسيين؟
ثالثًا: النظام في إيران لا يزال لا يفهم التحوّلات الكبرى في المنطقة والعالم، وقد عوّل على مساندة الصين وروسيا، لكنه لم يقرأ مصالح الصين وروسيا، وبخاصة بعد سقوط نظام مادورو في فنزويلا، والسماح للصيني باستكمال استيراد النفط من كاراكاس في مقابل توقّفه عن استيراده من إيران، وموقف الكرملين الواقع بين مسايرة واشنطن طمعًا بالمكاسب الأوكرانية من جهة، وبين دورٍ له في سوريا يسمح له به الرئيس ترامب، إلى جانب تفعيل الأوروبيين لآلية الزناد (Snapback) ضد النظام الإيراني منذ أشهر. فكل هذه التحوّلات، المضاف إليها التحوّلات الكبرى في فلسطين وسوريا، والمعادلات الجديدة إقليميًا ودوليًا، وموازين القوى الجديدة، وكل مضامين النظامين العالمي والإقليمي الجديدين، لم يستوعبها النظام الإيراني إلى الآن، وهو يصرّ على العودة إلى الوراء باستنساخ مسخ اتفاق 2015 الذي مضى عليه الزمن منذ فسخه الرئيس ترامب إبان ولايته الأولى.
رابعًا: جرّد النظام في إيران نفسه من آخر منافذه المنقذة له من الضلال باعتدائه السافر والغاشم على دول الخليج، التي لطالما كانت تبحث عن طريقة لفهم النظام العقائدي والسياسي في طهران.
وعلى الرغم من كل شيء، كانت تلك الدول على الدوام تُبقي خطوط تواصل وتوسّط قائمة بين طهران وواشنطن، وقد وقفت ضد احتمالات الضربة للنظام الإيراني حتى اللحظة الأخيرة، ومع ذلك لم تلقَ من طهران سوى الجحود واللامبالاة، وصولًا إلى الاعتداء على سيادة تلك الدول الجارة والموالية والمسالمة معه.
ويكفي أن نستذكر وقوف دولة قطر الشقيقة إلى جانب إيران وأدوار التوسّط ورعاية الحوارات بين النظام في إيران والأميركيين، ويكفي التذكير بدور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي لطالما حاول جاهدًا احتضان واحتواء تصرّفات النظام، وصولًا إلى توقيع اتفاقية حسن جوار وتعاون مع طهران برعاية الصين. فقادة دول الخليج خدموا النظام أكثر مما خدم هو نفسه، ولكن للأسف ثبتت خطورة برنامج الصواريخ البالستية على دول المنطقة والجوار قبل إسرائيل، وقد استُخدمت الصواريخ والدرونات في قصف أماكن مأهولة في البحرين وقطر والكويت والإمارات (مطار أبو ظبي حيث لا قواعد أميركية)، ما كشف الحقيقة العدوانية لهذا النظام في طهران حيال الدول العربية، وثبت دوره في الاعتداء على الخليج والعرب أكثر من ضرب وإيذاء قواعد أميركية وإسرائيل. وكأنّه لا يكفي النظام فتكًا وتدميرًا للمنطقة العربية منذ نيف وأربعين عامًا، لتُضاف اليوم إلى “مآثره” ضرب أمن واستقرار دول الخليج المنفتحة عليه.
من هنا، وضع النظام في إيران نفسه أمام معادلة صعبة لا تدع له مجالًا للتنفس إلا بالسقوط، بعدما أصبح واضحًا استحالة تغيير نهجه لضمان بقائه.