"تلفزيون لبنان".. حين يصبح الإعلام شريكاً في الإنقاذ

tele-liban

مع استمرار تداعيات انهيار المباني السكنية في طرابلس، لم يكتفِ تلفزيون لبنان بنقل الحدث، بل تحوّل إلى منصة تضامن حيّة عبر إطلاق "تيليثون" مفتوح لدعم العائلات المتضرّرة، عبر برنامج الإعلامي وليد عبود. خطوة تتجاوز التغطية الإخبارية التقليدية، لتضع الإعلام في موقع الشريك في المواجهة، لا مجرّد شاهد عليها.

في المآسي الوطنية، لا يكون الإعلام رفاهية ولا مساحة للسبق الصحافي فقط، بل يتحمّل مسؤولية مضاعفة، نقل الحقيقة بدقّة، تهدئة الهلع، محاربة الإشاعات، توجيه الرأي العام نحو التضامن، وربط الناس بآليات المساعدة الفعلية. في مثل هذه اللحظات، يصبح الإعلام جزءاً من شبكة الأمان المجتمعي، وعنصراً مكمّلاً لعمل المؤسسات الرسمية والإغاثية.

ما يقوم به تلفزيون لبنان اليوم يعيد التذكير بالدور الجوهري للإعلام العام تحديداً. فالشاشة الوطنية ليست ملك جهة سياسية أو فئة معينة، بل هي مساحة جامعة لكل اللبنانيين، يُفترض أن تتحرّك في اللحظات المصيرية. وعندما تُفتح لساعات بث مباشر من أجل قضية إنسانية، فإنها تؤكد أن رسالتها الأساسية لا تزال قائمة، خدمة الناس قبل أي اعتبار آخر.

أهمية هذه الخطوة تكمن أيضاً في بعدها المعنوي، في لحظات الانهيار والخوف، يحتاج الناس إلى منبر يعبّر عنهم، يوصل صوتهم، ويمنحهم شعوراً بأنهم مرئيون ومسموعون. الإعلام، حين يمارس دوره بمسؤولية، يخفّف من وطأة العزلة، ويحوّل الألم الفردي إلى قضية عامة، ويعيد إنتاج الشعور بالانتماء إلى مجتمع متضامن لا يترك أبناءه وحدهم.

كما أن إطلاق "تيليثون" تضامني يثبت أن الإعلام قادر على الانتقال من دور الناقل إلى دور المحفّز. فبدل الاكتفاء بعرض صور الدمار، يتم توجيه الجهد نحو جمع الدعم، تنظيم المبادرات، استضافة الجهات المعنية، وتوضيح آليات المساعدة بشفافية. وهنا تتجلّى القوة الحقيقية للشاشة، قدرتها على الحشد والتأثير وصناعة الفارق العملي، لا الرمزي فقط.

اللافت أيضاً أن هذه المبادرة تعيد الاعتبار لفكرة الإعلام الوطني كجزء من البنية السيادية للدولة. فالدول تُقاس بقوة مؤسساتها، ومن بينها مؤسساتها الإعلامية العامة. وعندما ينهض التلفزيون الرسمي بدوره في لحظة أزمة، فإنه لا يقدّم خدمة إنسانية فحسب، بل يعيد ترميم جزء من الثقة المفقودة بين المواطن والدولة.

ولا يمكن إغفال أن هذه الخطوة تندرج ضمن مسار إعادة تفعيل دور تلفزيون لبنان كمؤسسة وطنية فاعلة بعد سنوات من التراجع. فإحياء الإعلام الرسمي لا يكون بالشعارات، بل بالفعل الميداني، وبالاقتراب من هموم الناس اليومية، وبإثبات القدرة على مواكبة الأحداث الكبرى بمهنية ومسؤولية، وما يحدث اليوم يشكّل نموذجاً عملياً على هذا التحوّل.

في الأزمات، يُختبر الجميع، الدولة، المؤسسات، المجتمع المدني، والإعلام. فإما أن ينجرّ الإعلام وراء الإثارة والتهويل وسباق العناوين، أو أن يختار المسؤولية والالتزام والبعد الإنساني. اليوم، اختار تلفزيون لبنان المسار الثاني، واضعاً إمكاناته في خدمة قضية وطنية ملحّة.

لبنان يحتاج إلى تضامن طويل الأمد وخطة معالجة جدّية ومستدامة، لكن ما يحدث على الهواء اليوم يثبت أن الإعلام، عندما يدرك حجم دوره، يمكن أن يكون رافعة حقيقية في مواجهة المأساة، وجسراً بين الألم والحل. وفي بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة، تبقى الحاجة ملحّة إلى إعلام وطني حيّ، حاضر، مسؤول، وقادر على تحويل الكارثة إلى لحظة وعي وتكاتف.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: