في ظل الظروف الأمنية الحساسة التي يمرّ بها لبنان نتيجة الحرب، عاد النقاش حول تنظيم وجود النازحين داخل العاصمة بيروت إلى الواجهة. وفي هذا السياق، يبرز موقف النائب فؤاد مخزومي الذي أكد مراراً في أكثر من مناسبة ضرورة قيام بلدية بيروت بإجراء مسح شامل لوجود النازحين داخل الأحياء السكنية.
هذا الطرح، لا يستهدف النازحين بحدّ ذاتهم، بل يهدف أساساً إلى تنظيم وجودهم داخل المدينة بما يحفظ سلامتهم وسلامة سكان بيروت في آنٍ معاً، خصوصاً في ظل الظروف الأمنية الدقيقة التي يعيشها البلد.
حماية النازحين قبل أي شيء
الدعوة إلى إجراء تدقيق في هويات القاطنين داخل مراكز الإيواء أو الشقق المستأجرة لا تأتي من باب التضييق، بل من منطلق احترازي يهدف إلى التأكد من أن الموجودين هم مدنيون فعلاً.
فالخشية، وفق هذا الطرح، تكمن في احتمال تسلل عناصر عسكرية أو أمنية بين المدنيين، سواء كانت مرتبطة بعناصر الحرس الثوري الايراني أو بحزب الله.
وجود مثل هذه العناصر داخل أحياء سكنية أو بين النازحين قد يحوّل هذه المناطق إلى أهداف عسكرية، ما يعرّض المدنيين أنفسهم للخطر.
الأحداث التي شهدتها بعض المناطق، مثل الحازمية والروشة وبرج حمود، أظهرت بوضوح كيف يمكن لوجود أهداف أو نشاطات عسكرية داخل مناطق مدنية أن يؤدي إلى استهداف تلك المناطق.
ومن هنا تأتي أهمية اتخاذ إجراءات تنظيمية تمنع أي نشاط عسكري من الاختباء داخل الأحياء السكنية أو بين المدنيين، حفاظاً على سلامة الجميع.
إجراءات ليست جديدة في لبنان
ما طُرح في بيروت ليس إجراءً استثنائياً أو غير مسبوق. ففي الأشهر الماضية، بادرت بلديات عدة في مختلف المناطق اللبنانية إلى إصدار تعاميم تنظيمية تتعلق بعملية إيواء النازحين، بهدف ضبطها وتوثيقها.
هذه الإجراءات هدفت أساساً إلى تنظيم عملية الإيجار والإيواء، وتوفير قاعدة بيانات واضحة لدى البلديات حول المقيمين الجدد داخل نطاقها.
التعاميم التي صدرت عن عدد من البلديات تضمنت خطوات تنظيمية محددة، من أبرزها: إبلاغ البلدية عند تأجير أي شقة أو منزل لنازحين، تسجيل الأسماء الكاملة للمقيمين مع بيانات هوياتهم في سجلات البلدية، تنظيم عقود إيجار رسمية باسم المستأجرين، وفي بعض الحالات، طلب موافقة مسبقة من البلدية قبل إتمام عملية الإيواء.
الهدف من هذه الخطوات هو تنظيم الوجود السكاني في ظل ظروف استثنائية، وتفادي أي فوضى قد تنعكس سلباً على الأمن الاجتماعي أو الأمن العام.
بلديات سبقت إلى هذه الخطوات
وقد اتخذت عدة بلديات لبنانية إجراءات مشابهة في هذا الإطار، من بينها بلديات بكفيا والفنار وزوق مصبح وجعيتا، إضافة إلى بلديات في الجنوب مثل البرامية والعاقبية.
كما أن بلديات أخرى في أقضية مختلفة من جبل لبنان والجنوب اعتمدت تدابير مشابهة لتنظيم عمليات الإيواء وضبطها.
هذه الإجراءات، كما يؤكد أصحابها، لا تستهدف أي فئة لبنانية أو أي طائفة، بل تسعى إلى تحقيق هدفين أساسيين: حماية النازحين أنفسهم، وحماية المجتمعات المضيفة في الوقت نفسه.
فمنع أي جهة مسلحة من استخدام المناطق المدنية كغطاء لنشاطها هو مصلحة مشتركة للجميع، لأنه يجنّب السكان والنازحين معاً مخاطر الاستهداف أو الانجرار إلى تداعيات أمنية.
بيروت كانت ولا تزال مدينة مفتوحة احتضنت النازحين بإنسانية ومسؤولية، وهذا واجب وطني وأخلاقي يعتز به أهل العاصمة.
لكن في المقابل، يبقى من حق المدينة وسكانها أن تُنظم عملية الإيواء بشكل يضمن عدم استغلال هذا التضامن الإنساني. فوجود مخالفين للقانون أو مطلوبين للعدالة بين المدنيين، أو استخدام الأحياء السكنية كغطاء لأي نشاط عسكري، أمر لا يمكن القبول به.
في النهاية، حماية بيروت وسكانها ليست تهمة، بل مسؤولية. وتنظيم وجود النازحين ليس إجراءً عدائياً، بل خطوة احترازية تهدف إلى حماية الجميع في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ لبنان.