جنوبٌ يريد الحياة.. ورسالة "قواتية" من قلب القرى الحدودية

ouwwettt

في القرى الجنوبية القريبة من الحدود، لم تعد المعركة مرتبطة فقط بالحرب، بل أصبحت معركة بقاء يومي. هناك، حيث تتراجع الخدمات وتكبر المخاوف ويزداد الضغط على الناس، يتحوّل الصمود إلى فعل مقاومة من نوع آخر، مقاومة الفراغ، والنزوح، وانهيار الحياة الطبيعية. ومن هذا الواقع تحديدًا، يمكن فهم أهمية الجولة التي قام بها وفد من حزب القوات اللبنانية في منطقتَي حاصبيا والعرقوب.

الجولة لم تأتِ بصيغة استعراضية، بل بدت أقرب إلى محاولة قراءة ميدانية لما يعيشه الجنوب وأهله. فاللقاءات التي عُقدت مع اتحادات البلديات، والمرجعيات الروحية، والفعاليات السياسية والاجتماعية، عكست اهتمامًا مباشرًا بالهموم الفعلية للناس. اسئلة عدّة كانت حاضرة، كيف يمكن حماية القرى؟ كيف يُمنع نزوح أهلها؟ وكيف تبقى الحياة ممكنة في مناطق تُدفع يوميًا نحو الاستنزاف؟

وفي هذا المشهد، برزت صورة الجنوب المتنوّع، لا الجنوب المحصور بخيار سياسي واحد. مشاركة بلديات وفاعليات من العرقوب وحاصبيا، إلى جانب حضور وفد من أهالي الهبارية برئاسة مختار البلدة، حملت دلالات تتعلّق بوجود فئات واسعة داخل الجنوب تبحث عن مقاربة مختلفة لمستقبل المنطقة، مقاربة تنطلق من أولوية الإنسان والدولة والاستقرار، لا من منطق الساحات المفتوحة والحروب الدائمة.

كما أن الجولة أظهرت حجم الدور الذي تلعبه المؤسسات المحلية والروحية في حماية المجتمع الجنوبي من الانهيار الكامل. فالبلديات، رغم ضعف الإمكانات، تحاول تأمين الحد الأدنى من مقومات الصمود، فيما تتحمّل الكنيسة، كما سائر المرجعيات المحلية، أعباء اجتماعية وإنسانية متزايدة للمساعدة في تثبيت الناس في أرضهم ومنع تفكك القرى الحدودية.

وهذا البعد تحديدًا بات يشكّل أحد أخطر تحديات المرحلة الحالية. فالحروب الطويلة لا تدمّر الأبنية فقط، بل تضرب البنية البشرية للمناطق أيضًا. وكلما طالت حالة اللااستقرار، ازدادت احتمالات تحوّل القرى الحدودية إلى مناطق فارغة أو شبه فارغة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات وطنية واجتماعية واقتصادية عميقة.

ومن هنا، حملت الجولة "القواتية" رسالة تتجاوز التضامن السياسي، لتصل إلى مستوى التأكيد أن بقاء الناس في أرضهم يجب أن يتحوّل إلى أولوية وطنية. وهذا يتطلب حضورًا فعليًا للدولة اللبنانية، عبر الجيش والمؤسسات والخطط الإنمائية والخدمات الأساسية، لا ترك الأهالي وحدهم في مواجهة الحرب والتهميش.

وفي موازاة هذا البعد الاجتماعي، حضرت الرسائل السياسية بوضوح. فالوفد القواتي شدّد، من خلال لقاءاته ومواقفه، على أن الجنوب لا يمكن أن يبقى رهينة خيارات عسكرية مفتوحة تربط لبنان بصراعات المحاور الإقليمية. كما برز تأكيد على أن حماية الجنوب لا تكون عبر المزيد من المغامرات، بل عبر تثبيت منطق الدولة والسيادة والاستقرار.

الجولة عكست أيضًا الحضور الميداني الوازن لحزب القوات اللبنانية، الذي يسعى إلى مواكبة شؤون الأهالي والتفاعل مع احتياجاتهم اليومية والإنمائية والسيادية. وهذا ما ظهر من خلال التنقل بين القرى واللقاءات المباشرة مع الناس والهيئات المحلية، في محاولة لتأكيد أن الجنوب هو جزء أساسي من معركة بناء الدولة اللبنانية.

بدا لافتًا أن الجولة حملت خطابًا يركّز على المشترك الوطني، فالصورة التي خرجت من حاصبيا والعرقوب لم تكن صورة لقاءات عادية، بل مشهد تداخلت فيه البلديات والكنيسة والفعاليات المحلية والسياسية حول عنوان واحد: حماية الجنوب، وحماية الناس، وإعادة ربط المنطقة بالدولة بدل إبقائها معلّقة على حبال الحروب المفتوحة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: