دخل "حزب الله" وحلفاؤه المرحلة المقبلة وهم يدركون حجم الخسارة في الميدان، مع سعي واضح لتعويضها داخل الساحة السياسية، وهي مقاربة لا يسعى الحزب إلى إخفائها، بل أعلنها صراحة على لسان أمينه العام نعيم قاسم الذي أكد الاستعداد الكامل لخوض الانتخابات النيابية المتوقعة في أيار المقبل، باعتبارها معركتين متوازيتين لا تقتصر دلالاتهما على الاستحقاق الانتخابي نفسه، بل تمتد إلى ما هو أبعد من صناديق الاقتراع.
المعركة الأولى تتصل بمحاولة إسقاط حق المغتربين في التصويت للنواب الـ128 من الخارج، خطوة إن تحققت تريح الحزب وحلفاءه من كتلة اقتراع وازنة، وتعيد التوازن الرقمي إلى ساحات يعتبرها الحزب أكثر قابلية للضبط والتحكم، لا سيما في ظل إدراكه أن أصوات الاغتراب باتت عنصر ترجيح لا يمكن استيعابه بالشعارات التقليدية ولا بخطاب التعبئة القديم.
أما المعركة الثانية، والأكثر حساسية، فتبقى مرتبطة بالإبقاء على السلاح خارج أي نقاش فعلي، لا بوصفه عنصر قوة عسكرية فقط بل كورقة ضغط سياسية تُستثمر داخلياً، حيث يسعى الحزب إلى إعادة شد العصب داخل بيئته عبر منطق التهديد الوجودي، في لحظة يعرف فيها أن شريحة واسعة من هذه البيئة باتت ممتعضة من كلفة الخيارات السابقة، ومن جرها المتكرر إلى الخراب والعزلة والانهيار، لكنها تلتزم الصمت بفعل الخوف والضغط الاجتماعي والسياسي، ما يجعل السلاح أداة ردع داخلية بقدر ما هو رسالة إلى الخارج.
وفي هذا السياق، ترى مصادر سياسية معارضة أن استثمار ملف السلاح في الاستحقاق الانتخابي ليس جديداً، إذ سبق للبنان أن خاض محطات انتخابية عدة تحت وطأة هذا الواقع، ورغم ذلك تمكنت قوى معارضة من تسجيل اختراقات نوعية، ما يؤكد أن فائض القوة لا يترجم دائماً فائضاً في الشرعية الشعبية، خصوصاً عندما تتراكم الأزمات ويُلامس الغضب حدوداً لم تعد قابلة للاحتواء بالشعارات.
يُضاف إلى ذلك أن سردية الاستهداف من الداخل قبل الخارج تبقى العنوان الأبرز الذي يعول عليه الحزب لتحفيز بيئته وحشدها انتخابياً، في محاولة لتحويل النقمة إلى خوف، والخوف إلى أصوات، ولو على حساب تعميق الشرخ داخل المجتمع الواحد.
في موازاة ذلك، يتقدم ملف الانتخابات نفسها، إذ يؤكد مصدر مقرب من الحزب أن "الثنائي" لا يمانع إجراء الاستحقاق في موعده المقرر، معلناً جهوزيته السياسية والتنظيمية، ومستخفاً بجدوى أي تأجيل حتى ولو كان تقنياً، على اعتبار أن هذا الملف، برأيه يخدم مصلحة فريق بعينه أكثر مما يخدم التوازن العام.
غير أن هذا الموقف، وفق قراءة خصوم الحزب، لا يعكس اطمئناناً فعلياً إلى المزاج الشعبي بقدر ما يوحي بثقة مفرطة بقدرة السلاح والخطاب التعبوي على ضبط إيقاع النتائج، في لحظة يبدو فيها هذا المزاج أكثر تشققاً وتعقيداً مما يظهر على السطح.