في خضم الحرب الدائرة على الجبهة اللبنانية وما يرافقها من دمار واسع وخسائر بشرية واقتصادية فادحة، تتجه الأنظار بشكل متزايد إلى دور الرئيس جوزاف عون، الذي باتت تحركاته السياسية محور متابعة دقيقة من قبل المجتمع الدولي. فمع اتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، لم يعد لبنان مجرد ساحة اشتباك عسكري، بل أصبح أيضاً ملفاً سياسياً حساساً على طاولة القوى الدولية التي تبحث عن مخرج يمنع الانزلاق نحو حرب شاملة.
في هذا السياق، تبرز مبادرة الرئيس عون الأخيرة التي تقوم على فتح باب المفاوضات مع إسرائيل بهدف وقف الحرب القائمة وإعادة تثبيت قواعد الاستقرار. هذه المبادرة لا تُقرأ فقط في إطارها اللبناني الداخلي، بل ينظر إليها المجتمع الدولي باعتبارها فرصة جدية لإعادة ضبط مسار الأزمة قبل أن تتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة. فالتصعيد المستمر منذ اندلاع الحرب، وما رافقه من ضربات عسكرية طالت مناطق واسعة من لبنان، دفع العواصم الغربية والعربية إلى البحث عن شخصية قادرة على لعب دور الوسيط الداخلي القادر على إعادة الدولة اللبنانية إلى موقع القرار.
من هنا، يكتسب تحرك الرئيس عون أهمية مضاعفة، فالمجتمع الدولي، الذي ينظر بقلق إلى تآكل مؤسسات الدولة اللبنانية خلال السنوات الماضية، يرى في موقع الرئاسة فرصة لإعادة إحياء دور الدولة في إدارة الملفات المصيرية، وعلى رأسها قرار الحرب والسلم. المبادرة التي طرحها لا تقوم فقط على وقف إطلاق النار، بل على إطلاق مسار تفاوضي يعيد تنظيم العلاقة على الحدود الجنوبية ويمنع تكرار الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مدمرة.
هذه المبادرة تأتي في لحظة شديدة الحساسية، حيث يواجه لبنان ضغطاً مزدوجاً، من جهة استمرار العمليات العسكرية التي تهدد بتوسيع نطاق الحرب، ومن جهة أخرى الانهيار الاقتصادي العميق الذي يجعل أي تصعيد إضافي كارثياً على ما تبقى من بنية الدولة. لذلك، فإن التفاوض الذي يطرحه الرئيس عون يُنظر إليه كخيار واقعي يحاول إخراج لبنان من دائرة المواجهة المفتوحة وإعادته إلى مسار الاستقرار السياسي والأمني.
الاهتمام الدولي بهذه المبادرة واضح من خلال المتابعة الحثيثة لتحركات الرئيس واتصالاته الديبلوماسية. وتشير مصادر متابعة إلى أن قنوات تواصل مفتوحة بين واشنطن والرئيس عون، حيث تبدي الإدارة الأميركية اهتماماً واضحاً بالمبادرة المطروحة وبالدور الذي يسعى الرئيس اللبناني إلى لعبه في فتح مسار تفاوضي يوقف الحرب. وبحسب هذه المصادر، فإن التواصل الأميركي لا يقتصر على متابعة التطورات فحسب، بل يتضمن أيضاً نقاشات حول السبل الممكنة لدعم أي مسار يؤدي إلى خفض التصعيد وإعادة تثبيت الاستقرار على الحدود اللبنانية الجنوبية.
فالعواصم المؤثرة في الملف اللبناني ترى أن نجاح هذا المسار قد يفتح الباب أمام تهدئة أوسع في المنطقة، خصوصاً أن الجبهة اللبنانية أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أبرز ساحات الاحتكاك بين القوى الإقليمية. لذلك، فإن أي تقدم في مسار التفاوض قد يشكل نقطة تحول ليس فقط للبنان، بل للتوازنات الإقليمية المحيطة به.
في المقابل، يدرك المجتمع الدولي أن نجاح هذه المبادرة لن يكون سهلاً. فالمشهد اللبناني معقد، والقرار الأمني والعسكري لا يقتصر على مؤسسات الدولة وحدها. إلا أن الرهان الدولي على الرئيس عون يقوم على قدرته على إعادة الاعتبار لمنطق الدولة، وعلى فتح نافذة سياسية تسمح بوقف الحرب وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية بعيداً من منطق المواجهة الدائمة.
من هنا، تبدو تحركات الرئيس اليوم أكثر من مجرد مبادرات سياسية تقليدية، فهي محاولة لإعادة لبنان إلى موقع الدولة الفاعلة القادرة على التفاوض باسم شعبها وحماية استقرارها. وفي ظل حجم الدمار الذي خلفته الحرب، فإن نجاح مسار التفاوض الذي يسعى إليه قد يشكل بداية طريق طويلة لإعادة الأمور إلى السكة الصحيحة، وإخراج لبنان من دوامة الصراع التي أنهكته لسنوات طويلة.