لم تكن جولة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى على مؤسسة كهرباء لبنان ومرفأ بيروت حدثاً عابراً، بقدر ما حملت في طياتها إشارات سياسية وإدارية دقيقة، قرأتها مصادر واسعة الاطلاع على أنها تعبير واضح عن تبدل المقاربة الدولية حيال إدارة المرافق الحيوية في لبنان، بالتالي جاء الحضور الأميركي الميداني ليؤكد دعم بلاده الصريح لإعادة هذه المرافق إلى كنف الدولة، ليس كشعار، بل كمسار فعلي غير قابل للالتفاف.
وتلفت المصادر في حديثها إلى LebTalks، إلى أن هذه الجولة تندرج ضمن متابعة حثيثة لمسار الإصلاحات وانتظام عمل المؤسسات العامة، ولا سيما تلك التي لطالما كانت ساحة نفوذ لقوى الأمر الواقع في مراحل سابقة، كما تضيف أن الرسالة الأبرز تمثلت في التأكيد أن المرحلة المقبلة لن تسمح باستمرار أي سيطرة غير رسمية على المرافئ أو المرافق الاستراتيجية، وأن زمن إدارة الظل قد طُوي.
في هذا السياق، تشير المصادر إلى أن الضغط الدولي على الدولة اللبنانية مرشح للتصاعد بوتيرة أعلى، بهدف تسريع الخطوات الإصلاحية، وهو ما عكسه بوضوح موقف سفراء الدول الخمس، الذين كثفوا لقاءاتهم مع المسؤولين السياسيين في الأيام الماضية، حيث شددوا على ضرورة الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ، وعدم ربط الإصلاحات بالاستحقاقات أو المؤتمرات الدولية، حتى تلك المرتقبة، ومنها مؤتمر دعم الجيش اللبناني في آذار المقبل.
وتكشف المصادر عينها عن أن النقاشات القائمة لم تقتصر على العناوين السيادية، بل طاولت أيضاً ملف الإدارة العامة، حيث يجري العمل على بلورة رؤية إصلاحية شاملة لمعالجة الأوضاع المعيشية لموظفي القطاع العام، ووضع حد لحالة الشلل التي أصابت الإدارات الرسمية، والتي باتت تشكل عبئاً إضافياً على الدولة والمواطن في آن واحد.
وبحسب معلومات متقاطعة، بدأت الحكومة البحث الجدي عن مصادر إيرادات تتيح الاستجابة لمطالب الموظفين، ليس عبر حلول ظرفية، بل من خلال مقاربة مستدامة تعيد الانتظام الإداري تدريجياً، كما تنقل مصادر ديبلوماسية أن العواصم الكبرى تربط دعمها للبنان بوضوح الرؤية الإصلاحية، وبقدرة الدولة على فرض سلطتها، سواء على مستوى الإدارة أو في ما يتصل بحصرية القرار والسلاح.
وتخلص المصادر إلى التأكيد أن الطريق بات مرسوماً باستعادة الدولة لدورها، فهو لم يعد خياراً قابلاً للنقاش، بل اختباراً مصيرياً لجدية السلطة، لأن التباطؤ لم يعد مقبولاً، وتحريك عجلة المؤسسات بات ضرورة ملحة قبل أن يغلق هامش الفرص نهائياً.