مرة جديدة، يكرر الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم إملاءاته على الدولة ويحدد خارطة طريق السلطة، ويؤكد مجدداً للقاصي والداني التمسّك بالسلاح ورفض تقديم أي تنازلات للدولة قبل أي جهة أخرى، ويربط أي نقاش باستكمال خطة "حصرية السلاح" بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية كلياً، والإنسحاب من الأراضي اللبنانية، وإطلاق الأسرى، والبدء بعملية إعادة الإعمار من الجنوب بما يتيح عودة القرى وأهلها.
وفي محاولة للتغاضي عن كل المتغيّرات على المسرحين الإقليمي والدولي، يشترط قاسم مجدداً مناقشة استراتيجية الأمن الوطني، قبل أي خطوة مطلوبة منه اليوم قبل الغد، بينما المشهد مع مطلع العام الجديد لا يوحي بقرب التسويات، بل بمرحلة إعادة رسم لقواعد الإشتباك، فيما أن إسرائيل، وبدعم أميركي واضح، تتّجه نحو معالجة ما تعتبره تهديداً استراتيجياً دائماً، لا مجرد جولة عسكرية عابرة.
إلاّ أن التحوّل الأخطر في هذا المشهد، هو تبدّل المقاربة الدولية للواقع في لبنان وليس فقط الأميركية، حيث لم يعد مطروحاً القبول بإعادة إنتاج أي معادلات سابقة في الجنوب، أو السماح بإبقاء الحزب كقوة عسكرية قابلة لإعادة الترميم.
وهنا، لا تُخفي مصادر ديبلوماسية مطلعة، أن الحزب، ومعه إيران، لا يزالان يتصرّفان وكأن قواعد اللعبة لم تتبدّل، من خلال رفع سقف الخطاب وتوسيع هامش الإشتباك والرهان على عامل الوقت.
ووفق هذه المصادر، فإن هذه المقاربة، التي قد تكون أتت بنتائج في مراحل سابقة، تبدو اليوم منفصلة عن الواقع الجديد، وتحمل في طيّاتها مخاطر مواجهة واسعة غير محسوبة النتائج.
وبالتالي، تؤكد المصادر الديبلوماسية على أولوية أن يكون الإتجاه في المرحلة المقبلة، إلى تعزيز خيار الإنخراط في مسارٍ يعيد الإعتبار للدولة وحدها كمرجعية لقرار السلم والحرب، ذلك أن أي تكرار لأخطاء الماضي، سيرتدّ بشكل كارثي على لبنان، في لحظةٍ دولية وإقليمية بالغة الدقة والحساسية.