كل مرة يلوّح فيها حزب الله بشبح "7 أيار جديدة"، يبدو وكأنه يصرّ على إعادة "فيلم" قديم فقد كل صدقيته، وكأن اللبنانيين لم يتعلموا من سنوات الانهيار والدمار والفشل. التهديد اليوم ليس سوى استعراض هش، محاولة يائسة لاستعادة وهْم القوة، في وقت أصبح فيه الحزب مطوّقاً من كل جانب، داخلياً وخارجياً، ومحصوراً شعبياً حتى داخل بيئته التي بدأت تشعر بالضجر والتعب من منطق السلاح والسيطرة.
دعونا نذكّر بالواقع، أحداث 7 أيار 2008 لم تكن مجداً ولا إنجازاً، بل كانت انهيار الدولة في ساعات معدودة، سقوط الشوارع أمام فائض السلاح، وفرض واقع جديد بالقوة لا بالقانون. كل ما قيل عن "رسالة" أو "رد فعل" كان مجرد محاولة لإضفاء شرعية على ما لا شرعية له، بينما اللبنانيون دفعوا ثمن الخوف والعنف. واليوم، من يهدد بإعادة التجربة نفسها يتجاهل درساً أساسياً، القوة بلا مشروع وبلا قبول شعبي لن تصنع دولة، ولن تُرهب أحداً.
الحزب اليوم ليس كما كان قبل 15 عاماً، هو محاصر داخلياً من الشعب الذي لم يعد يقبل الرهانات على السلاح، ومن بيئته التي تعبت من الوعود الفارغة والخوف المستمر، محاصر خارجياً بعزلة واضحة، تواجه كل خطوة له في السياسة أو الاقتصاد. كل محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وكل تهديد بـ7 أيار جديدة، ليس إلا إعلان فشل، كشف لنقص المشروع، وفضح لإفلاس الرؤية السياسية.
الهزيمة الخارجية التي تكبّدها الحزب بعد دخوله في حربَي إسناد غزة وإيران، أضعفته أكثر، وجعلته يبحث عن تعويض في الداخل اللبناني. ما لم يتمكن على فرضه أو تحقيقه في الخارج، يحاول اليوم فرضه بالقوة على أبناء بلده. أي تهديد، أي استعراض، أي محاولات لإرهاب الشعب اللبناني، هي انعكاس مباشر لعجزه عن تحقيق أي انتصار خارجي.
وكان من الأجدى بدل دخوله في حرب إسناد إيران، أن يسلّم سلاحه، ويجلس على طاولة حوار مع شركائه في الوطن، ويفتح صفحة جديدة لبناء دولة جديدة، بدل أن يستمر في سياسة التهديد والترهيب داخلياً، التي لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والاحتقان.
فالتهديد اليوم أصبح أقرب إلى "هبل سياسي" صريح، لأنه يَفترض أن الزمن لم يتغير، وأن اللبنانيين لم يتغيروا، وأن ميزان القوى بقي كما كان، وهذا وهم واضح. لبنان 2026 ليس لبنان 2008، الدولة تستعيد قوتها، الاقتصاد يتبدّل، المجتمع عانى من الدمار، ولم يعد قابلاً للكسر بالطريقة نفسها. وأي محاولة لإرهاب الشعب أو فرض معادلات بالقوة لن تؤدي إلا إلى فضح هشاشة الحزب، وكشف أن كل أدواته القديمة فقدت فعاليتها، وأن التهديدات أصبحت مضحكة في نظر أي لبناني عاقل.
هو اليوم مطوّق بالكامل، وكل تهديد، وكل لجوء إلى الماضي، يثبت أن مشروعه انتهى قبل أن يبدأ حتى. اللبنانيون لم يعودوا رهائن خوفه، وكل محاولة لإرهاب المجتمع أو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ليست سوى دليل على أزمة مشروع، أزمة أفق، وعجز عن إدارة أي واقع جديد. ولا ننسى حقيقة الاحتلال الفعلي، الحزب يسيطر على الجنوب والضاحية والبقاع، مناطق يعيش أهلها تحت ضغط مباشر، مستخدماً سلاحه لإخضاع الناس وفرض إرادته، وكأن هذه السيطرة الداخلية تعوّضه عن إخفاقاته الخارجية.
زمن 7 أيار انتهى، ولن يعود، ليس لأن أحداً قال ذلك، بل لأن الواقع تغيّر. كل ما يلوّح به الحزب اليوم، كل تهديد، كل محاولة لإعادة الماضي، هي شهادة على ضعفه، على عجزه داخلياً وخارجياً، وعلى إفلاس مشروعه السياسي بالكامل. اللبنانيون، بكل فئاتهم، لن يخافوا بعد اليوم، ولن يسمحوا لأحد بإعادة صناعة لبنان على أساس السلاح والخوف.