في ظلّ الحرب التي يشهدها لبنان وتكرار الغارات الجوية التي تستهدف مباني سكنية ومناطق مختلفة، لا تقتصر الأضرار على الدمار الظاهر فقط، بل تمتدّ إلى ما هو أخطر وأقلّ وضوحًا، وهو تلوّث الهواء بالمواد السامة الناتجة عن الانفجارات واحتراق المواد المختلفة داخل المباني. فبعد كل غارة، تتصاعد في الجو سحب من الغبار والدخان تحمل معها خليطًا من المواد الكيميائية والجزيئات الدقيقة التي قد تشكّل خطرًا على صحة الإنسان، خصوصًا مع تكرار التعرض لها.
وفي هذا السياق، يشير الدكتور خضر عبدلله متخصص في الأمراض التنفسية إلى أنّ الانفجارات تؤدي إلى احتراق مواد كثيرة موجودة داخل المباني مثل البلاستيك، والدهانات، والمواد الكهربائية، والأثاث، وحتى بعض المعادن. هذا الاحتراق يطلق في الهواء مواد سامة أبرزها أول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد النيتروجين، إضافة إلى جزيئات دقيقة تُعرف بالـ"جسيمات العالقة". وهذه الجزيئات صغيرة جدًا بحيث يمكنها الدخول بسهولة إلى الجهاز التنفسي، لتصل أحيانًا إلى الرئتين وحتى إلى مجرى الدم.
ويوضح عبدلله في حديث لـLebTalks أنّ استنشاق هذه المواد قد يؤدي إلى مجموعة من الأعراض الصحية، مثل السعال، وضيق التنفس، وحرقة في العينين والحلق، والصداع، إضافة إلى تفاقم الأمراض التنفسية المزمنة مثل الربو. كما أنّ التعرض المتكرر لهذه الملوثات قد يسبب مشاكل صحية على المدى الطويل، خاصة لدى الأطفال وكبار السن والذين يعانون أمراضًا في الجهاز التنفسي.
يضيف أنّ الخطر لا يقتصر على لحظة الغارة فقط، بل قد يستمر لساعات أو حتى أيام بعد الانفجار، إذ تبقى الجزيئات الدقيقة معلقة في الهواء أو مترسبة على الغبار والركام. وعند تحرك هذا الغبار بفعل الرياح أو حركة الناس والآليات، يعود ليتناثر في الهواء ويُستنشق من جديد.
أمام هذا الواقع، ينصح عبدلله باتخاذ مجموعة من الإجراءات الوقائية للحد من استنشاق هذه السموم قدر الإمكان. ومن أبرز هذه الخطوات ارتداء الكمامات عند التواجد بالقرب من مناطق القصف أو الأبنية المدمرة، وإغلاق النوافذ خلال انتشار الغبار الكثيف، وتنظيف المنازل بطرق تقلل من تطاير الغبار مثل المسح بالماء بدل الكنس الجاف. كما يُنصح بتجنب الاقتراب من مواقع الانفجارات قدر الإمكان، خاصة في الساعات الأولى التي تلي الغارة.
كذلك يشدد على أهمية شرب كميات كافية من المياه للمساعدة في ترطيب الجهاز التنفسي، ومراجعة الطبيب فور ظهور أعراض تنفسية غير طبيعية أو مستمرة.
في زمن الحرب، قد يكون الدمار المرئي هو الأكثر لفتًا للانتباه، لكن الخطر الحقيقي قد يكون أحيانًا في الهواء الذي نتنفسه. لذلك تبقى الوقاية والوعي الصحي أمرين أساسيين لحماية الناس قدر الإمكان في ظل هذه الظروف الصعبة.