طالعتنا وكالة مهر الإيرانية، منذ ساعات، بتقرير حذّرت فيه من "حرب جديدة" في لبنان، معتبرةً أن "الاتفاق الإطاري بين الدولة اللبنانية وإسرائيل ليس مجرد وثيقة سياسية لإنهاء الحرب، بل نص يهدف، وفق قراءتها، إلى تغيير ميزان القوى داخل لبنان وتثبيت المكاسب العسكرية الإسرائيلية".
ومن استعراض تفاصيل التقرير، نرد عليه بالملاحظات التالية:
أولاً: جاء في التقرير أن الاتفاق لا يضمن أمن لبنان بقدر ما يجعل أمن إسرائيل أولوية أساسية لدى حكومة بيروت، في وقت يضع السيادة الوطنية اللبنانية وموقع "المقاومة"، وحتى التماسك الداخلي للبلاد، أمام مخاطر جدية.
ونجيب التقرير بالحقائق التالية:
هل ضمنت إيران وعميلها حزب الله في لبنان، طوال أكثر من ثلاثين عاماً، أمن لبنان؟ لقد رأينا الحروب تلو الحروب، والاحتلالات تلو الاحتلالات، بفعل الحزب الذي كان، على الدوام، يستجرّ إسرائيل إلى ضرب لبنان واحتلاله. وهل نجح الحزب في صون سيادة لبنان، وقد خاض حروباً متهورة كانت تنتهي دائماً بالدمار ومزيد من الاحتلال؟ وكي لا نذهب بعيداً في الزمن، يكفي ما حصل نتيجة حرب الإسناد لغزة، وكيف دخلت إسرائيل لبنان واحتلت النقاط الخمس، ومن ثم حرب الثأر لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وقد احتلت إسرائيل، حتى الآن، ثلثي الجنوب اللبناني.
وأي سيادة وطنية وضعها الحزب نصب عينيه عندما ضرب صلاحيات الدولة اللبنانية الشرعية، فقرر الحرب والسلم وتوقيع الاتفاقات، ومنها اتفاق ترسيم الحدود البحرية، الذي تنازل فيه الحزب، أيام عهد الرئيس ميشال عون، عن حق أساسي للبنان في مياهه الوطنية وثروته الوطنية؟
ألم يجعل الحزب أمن إسرائيل أولوية بين عامي 2000 و2024، حيث كان حارساً لأمن إسرائيل، ولم تُسجّل "ضربة كف على الحدود"؟
ألم يجعل الحزب نفسه أمن إسرائيل أولوية، أخيراً، حين طمأن أمينه العام الشيخ نعيم قاسم المستعمرات في شمال إسرائيل بعدم استهدافها؟
ثانياً: يطرح التقرير سؤالاً: كيف وصل لبنان إلى هذه النقطة؟
الإجابة هي: نتيجة حكم الحزب لبنان لعقود بالدم والنار والاستبداد، وفائض القوة على اللبنانيين، من اغتيالات وحروب وعدم استقرار أمني، واستجلاب إسرائيل إلى لبنان تحت عنوان "المقاومة"، واعتراف الحزب بدولة إسرائيل في اتفاق ترسيم الحدود البحرية، والفساد في الدولة والمؤسسات مقابل حماية السلاح... وماذا بعد؟
ثالثاً: يرى التقرير أن الجواب يكمن في سوء تقدير استراتيجي بدأ منذ اللحظة الأولى للمفاوضات. فبدلاً من استخدام قدرة التفاهم المؤلف من 14 بنداً بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب، سعت الدولة اللبنانية إلى إظهار قدرتها على إدارة ملف الحرب بمعزل عن "الحزب" والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
والجواب: إن كان من سوء تقدير، فهو في الجانب الإيراني، لأن المطلوب ليس وقف إطلاق نار لإبقاء الجبهة اللبنانية ورقة تفاوض على طاولة المفاوضات الأميركية - الإيرانية تستخدمها طهران لنيل مكاسب. فطاولة التفاوض الإقليمية أعلنت وقف إطلاق نار هشاً، بينما التفاهم اللبناني - الإسرائيلي، بدعم أميركي (وهو الأميركي نفسه الذي تتفاوض معه إيران اليوم)، وضع برنامجاً لانسحاب إسرائيل تدريجياً من لبنان، في مقابل بسط الدولة اللبنانية سلطتها تدريجياً على الأراضي اللبنانية المحتلة، وإعادة المهجرين والنازحين إلى قراهم، وإعمار الجنوب.
فنعم، أظهرت الدولة اللبنانية في المفاوضات قدرتها على نقل لبنان إلى شاطئ الأمان، من خلال تحقيق الاستقرار والأمن والانسحاب الإسرائيلي الفعلي، وهو الأمر الذي لم تستطع تحقيقه لا طهران ولا حزبها في لبنان.
فالفرق بين المذكرة اللبنانية والمذكرة الإيرانية مع الأميركيين، أن لبنان وُضع، في الأولى، على سكة الاستقرار والتحرير من الاحتلال، بينما أبقت المذكرة الإيرانية لبنان في دائرة الصراع كورقة مقايضة وتفاوض.
فوقف إطلاق النار ليس انتصاراً، بل التحرير هو الانتصار. فأين أفضال إيران والحزب في مجال التحرير الفعلي؟
رابعاً: وبحسب التقرير الإيراني، أظهر نص الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي، برعاية أميركية، أن معظم المطالب الإسرائيلية الأساسية أُدرجت فيه، من نزع سلاح الحزب إلى حصر السلاح الكامل بيد الدولة، وإنشاء آليات أمنية مشتركة بدعم أميركي، والدخول في مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وصولاً إلى تمهيد الطريق لاتفاق سلام دائم، وفي النهاية الاعتراف بالاحتلال.
الجواب: ألا تتفاوض إيران الآن مع الأميركيين لحل مشاكلها في المنطقة؟ ثم إن مطلب نزع سلاح الحزب لطالما كان مطلباً لبنانياً أولاً، لا إسرائيلياً ولا أميركياً. ونذكّر وكالة مهر وتقريرها بأن رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون أمضى سنة ونصف سنة في إقناع الحزب بتسليم سلاحه للدولة، لكن الحزب تعنّت ورفض، وأقدم على مغامرات كان آخرها حرب الثأر للمرشد الأعلى، والتي أدت إلى احتلال ثلثي جنوب لبنان.
أما حصر السلاح بيد الدولة، فليست تهمة، بل لزوم ما يلزم، كما في كل دول العالم: دولة واحدة، جيش واحد، سلطة واحدة، وقرار الحرب والسلم بيد الدولة لا الميليشيات. فلماذا يعيب التقرير على الدولة اللبنانية إرادتها في نزع السلاح وحصره بيد الدولة؟
ولعل في هذا المأخذ يكمن كل سر الاستراتيجية الإيرانية، برفض وجود دولة لبنانية سيدة، حرة ومستقلة، بل دولة خاضعة للحزب وإيران.
أما انتقاد التقرير الإيراني بأن الاتفاق نص على إنشاء آليات أمنية مشتركة بدعم أميركي، ففي غير محله، ولا سيما أن المفاوضات الأميركية - الإيرانية تهدف، في أحد بنودها، إلى إنشاء آليات لإدارة مضيق هرمز وتأمين الملاحة الدولية وأمن السفن. فلماذا ما يُسمح للإيرانيين لا يُسمح للبنانيين، والراعي واحد، وهو الأميركي نفسه، تماماً كما المفاوض الرئيس مع الإيرانيين: الأميركي؟
خامساً: يرى التقرير أن ما لم تستطع إسرائيل تحقيقه عبر عقود من الحروب والاعتداءات بالقوة العسكرية، تحاول اليوم تحقيقه تحت غطاء اتفاق سياسي. ويستند في ذلك إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قال بعد الاتفاق إنه نتيجة "الضربات القاسية" التي وجهها الجيش الإسرائيلي إلى الحزب، مؤكداً أنه سيضعف إيران والحزب ويعزز إسرائيل.
الجواب: إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو معيار إيران لانتقاد الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي، فلأن إيران تدرك حقيقة صحة كلام نتنياهو في إشارته إلى الضربات القاسية. والشيخ نعيم قاسم، الأمين العام للحزب، نفسه، أقرّ في إحدى آخر خطبه بتفوق إسرائيل عسكرياً، وبالتالي فهو توصيف واضح لحقيقة غياب أي توازن عسكري بين إسرائيل والحزب. وما يحققه الإسرائيلي هو تأمين شماله مع لبنان، مقابل الانسحاب من لبنان نهائياً وكلياً. والحالة هذه، من بادر إلى جلب نهايته؟ ومن بادر إلى مواجهة غير متكافئة أدخلت العدو مجدداً إلى لبنان؟
سابعاً: ورداً على التقرير الإيراني بأن الاتفاق يمنح الاحتلال الإسرائيلي شرعية فعلية، فالجواب: أين وكيف؟ طالما أن هناك آليات لانسحاب إسرائيل، وآليات لدخول الجيش اللبناني إلى المناطق المحتلة. أما الانسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية، فتماماً كما ضمن سلاح الحزب طرد الإسرائيلي من الجنوب منذ حربي الإسناد والثأر... فهل استطاعت إيران وحزبها إجبار إسرائيل على الانسحاب الفوري والكامل من الجنوب حتى الآن؟
فأقلّه، إن الانسحاب الإسرائيلي بموجب الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي مؤمَّن بدعم وضمانة أميركيين، ومن خلالهما الأسرة الدولية برمتها، وعلى مراحل، فيما اكتفت إيران بتقديم وقف إطلاق نار.
ثامناً: أما حول ما يخلص إليه التقرير الإيراني، بأن الدولة اللبنانية ارتكبت خطأ جوهرياً في حساباتها، بظنها أن الابتعاد من "المقاومة" والدخول منفردة في المفاوضات سيعززان موقعها، لكن النتيجة جاءت معاكسة.
فالرد على مهر وتقريرها هو كالآتي: بسبب فشل سلاح الحزب في تحرير لبنان، اضطرت الدولة اللبنانية إلى الدخول في مفاوضات. وبالتالي، هل استطاع الحزب تحرير الجنوب عسكرياً كي لا يحتاج لبنان إلى الذهاب للتفاوض؟
فمن ارتكب الخطأ الجوهري في الحسابات هي إيران وحزبها في لبنان، بزجّ لبنان في صراع عسكري ضد إسرائيل مرتين، من دون القدرة على رد العدوان وتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، وليس الدولة اللبنانية الساعية، بالديبلوماسية، إلى تحقيق ما عجز عنه السلاح الإيراني.
وختاماً، إن كان لهذا التقرير الإيراني من أهمية، فهو أنه أفصح بكل صراحة ووضوح عن مكنونات النظام في إيران، أو ما تبقى منه، في إبقاء لبنان ورقة بيده، لا يحق لأحد، حتى للبنانيين أنفسهم، تقرير مصيرهم وبلدهم إلا من خلال مصالح إيران الإقليمية.
فهذا الزمن ولّى إلى غير رجعة.