في مشهد حدودي مكتظ بالتوتر أصلًا، تبدو المناورات الإسرائيلية الممتدة من الساحل الغربي إلى مزارع شبعا ومرتفعات جبل الشيخ أبعد بكثير من كونها تدريبات روتينية، فحجم الحركة الميدانية، وتعدد السيناريوهات التي تنفذها الوحدات المشاركة، يعكسان إرادة سياسية - عسكرية تهدف إلى إعادة تشكيل ميزان الردع شمالاً عبر ضغط متدرج على الدولة اللبنانية وحزب الله معاً.
في هذا الاطار، تشير دوائر مراقبة غربية إلى أن تل أبيب تتعامل مع هذه المناورات كأداة ضغط مكملة للخطاب الدولي المتصل بحصرية السلاح في لبنان، بالتالي المناورة هنا ليست حدثاً منفصلاً، بل جزء من سياق يراد له دفع بيروت نحو طاولة تفاوض أقل صلابة، حيث يصبح مسار نزع سلاح الحزب أو تقليصه بنداً مطروحاً لا يمكن تجاهله.
يشرح خبير عسكري استراتيجي لموقع LebTalks أن قراءة حجم المناورات ونوعيتها لا يمكن فصلها عن البيئة الإقليمية المستجدة، خصوصاً بعد اغتيال القيادي الإيراني هيثم الطبطبائي وما حمله الحدث من ارتفاع في مستوى احتمالات التوسع، فالمشهد المحتمل لم يعد يقتصر على جبهة واحدة، بل يمتد إلى ساحات من الجنوب السوري إلى العراق، ما استدعى تدريب القوات الإسرائيلية على سيناريوهات متعددة الجبهات تحسباً لمفاجآت شبيهة بتلك التي فجرتها حرب غزة.
وفي المستوى التكتيكي، بحسب الخبير، يكتسب عنصر التحسب من عمليات اختراق عبر طائرات شراعية مزودة بمحركات أهمية خاصة، غير أن إعلان تل أبيب أن المناورات تحاكي هذا النوع من التهديد يعكس خشية قديمة - متجددة، خصوصاً أن ارتفاعات جبل الشيخ تمنح مثل هذه الوسائل موقع انطلاق مثالي، بينما ظلت قدرة إسرائيل على رصدها أو التصدي لها غير مكتملة، وهو ما يعيد إلى الواجهة فكرة المفاجأة منخفضة الكلفة التي يمكن للحزب استخدامه في أي مواجهة مستقبلية.
ويتسع نطاق الرسائل التكتيكية نحو الجبهة الشرقية لشبعا، حيث تعتبر إسرائيل المنطقة نقطة حساسة لحركة السلاح بين سوريا ولبنان، ويشير الخبير عينه، إلى أن تل أبيب تختبر خطط التفاف تعتمد السيطرة النارية على المرتفعات الحاكمة، بما يسمح لها عند أي مواجهة واسعة بتحويل المحور إلى عنق زجاجة يمنع الحزب من الاستفادة من عمقه السوري.
لكن القراءة الأعمق تكشف عن أن إسرائيل لا تتعامل مع شبعا كمنطقة نزاع محدودة المساحة، بل كعقدة جيو - استراتيجية تُطل على مثلث يمتد نحو سوريا شمالاً وصولاً إلى تركيا، وشرقاً باتجاه العراق وإيران. ومن هنا يصبح أي تراجع عن نقاط السيطرة هناك وفق العقيدة الأمنية الإسرائيلية خصماً من قدرتها الاستباقية في الشمال.
في خلاصة المشهد العسكري، تبدو المناورات رسالة مركبة، فإسرائيل تقول إنها جاهزة لكل الاحتمالات، من الضغوط الرمزية إلى مواجهة واسعة قد تشتعل في لحظة إقليمية خاطئة، والهدف الأبعد هو فرض معادلة ردع جديدة لا تدار فقط بالنار، بل بإظهار جاهزية دائمة تبقي لبنان تحت ضغط عسكري - سياسي مفتوح إلى حين تبدل قواعد اللعبة بالكامل.