أصدرت هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان قراراً سرياً قضى بتجميد حسابات مصرفية ومنع التصرف بموجودات خزانات حديدية تعود بصورة مباشرة أو غير مباشرة لعدد من الأشخاص والشركات. يأتي هذا القرار في إطار صلاحيات الهيئة المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، ويؤكد حرص السلطات على متابعة الملفات المالية الحساسة وحماية نزاهة النظام المصرفي.
وأشار القرار، الصادر بتاريخ 30 تشرين الأول 2025، إلى أن الهيئة قررت بالإجماع، بعد الاطلاع على تقرير أمينها العام، تجميد الحسابات ومنع التصرف بموجودات الخزنات المرتبطة بالأسماء المحددة، احترازيًا ولمدة ستة أشهر، قابلة للتمديد ثلاثة أشهر إضافية ما لم يصدر قرار مخالف عن الهيئة. وشدد القرار على إلزام جميع المصارف والمؤسسات المالية بتنفيذه، مع ضرورة الرجوع إلى الهيئة في أي إجراء يتعلق بالمحتويات، لا سيما تلك المرتبطة بحسابات توطين الرواتب.
وشمل القرار عددًا من الأشخاص البارزين، منهم سركيس سركيس وجورج الغريب وجوزف لاون ويوسف لاوون، بالإضافة إلى عدة شركات وأسماء تجارية، منها Game Cooks وGame Cooks Holding وشركة جي ام اي سي ش.م.ل، وشركات أجنبية مثل Onlive Support Services وAfrijeux Tchad وIK Holding Limited.
من هذا المنطلق، لم يكن ملف الحسابات الحالي مفاجئاً، إذ كان رئيس الجمهورية جوزاف عون دائماً واضحاً وحريصاً على إنجاز التشكيلات القضائية بالتعاون مع وزير العدل ورئيس الحكومة في أسرع وقت، وعلى فتح كل الملفات لإثبات عدم وجود أي غطاء سياسي لأي مرتكب. كما بدأ حاكم مصرف لبنان منذ توليه منصبه بفتح ملفات كانت تعتبر "تابو" نتيجة الغطاء السياسي لبعض الأسماء، ما يمهد الطريق أمام متابعة جدية لمثل هذه القضايا.
اليوم، تتولى هيئة التحقيق الخاصة دراسة حركة الحسابات والتحويلات المالية بشكل دقيق، لتحديد ما إذا كان هناك شبهة جرم جزائي، قبل إحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية لتسلك القضية مسارها القضائي الطبيعي. وتشير التحقيقات الحالية إلى أنها تركز على الجوانب المالية والمحاسبية، من دون استجوابات مباشرة للأشخاص، وهو ما يعكس الطابع الدقيق والحرفي للعملية.
وتشير المؤشرات الأولية للقرار إلى وجود معطيات قوية قد تؤسس لقرار قضائي مهم، قد تكون له ارتدادات مالية ونقدية، وربما سياسية أيضاً، لا سيما مع وجود أسماء ذات أدوار سياسية بارزة منذ سنوات ضمن القرار. والتعويل اليوم ينصب على قدرة هيئة التحقيق على تحضير ملف متكامل لرفعه إلى النيابة العامة التمييزية، التي أظهرت في عهد القاضي جمال الحجار جدية كبيرة في معالجة الملفات المالية والسياسية بحزم، ما يجعل هذا الملف ذا ارتدادات كبيرة على أكثر من مستوى.
ويُسجَّل لهيئة تحقيق مصرف لبنان، بدعم الحاكم ورئيس الجمهورية، الشجاعة في اتخاذ قرار تجميد الحسابات والمضي قدماً بخطوات واضحة، خصوصاً في بلد عرف بالتسويات والحسابات والحماية السياسية.