أعاد الإعلان الأميركي عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، عقب ما وُصف بضربة عسكرية واسعة النطاق، إلى الواجهة واحدة من أكثر الصفحات إثارة للجدل في تاريخ أميركا اللاتينية الحديث: غزو بنما عام 1989. فالتشابه بين المشهدين لا يقتصر على الحدث العسكري، بل يمتد إلى منطق التدخل، وطبيعة التبرير، والنتائج المفتوحة على احتمالات خطيرة.
في كانون الاول 1989، قررت الولايات المتحدة إسقاط الحاكم البنمي مانويل نورييغا بالقوة العسكرية المباشرة، في عملية أطلقت عليها اسم “السبب العادل”.
حينها، برّرت واشنطن تدخلها بتهم تتعلق بتجارة المخدرات وتهديد الأمن القومي الأميركي، وانتهت العملية باعتقال نورييغا ونقله إلى ميامي لمحاكمته. اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يبدو أن السيناريو ذاته يُستحضر في فنزويلا، ولو في سياق دولي مختلف.
إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مادورو بات قيد الاحتجاز خارج بلاده، إذا ما تأكد رسميًا، سيشكّل أخطر سابقة في سياسة الولايات المتحدة تجاه أميركا اللاتينية منذ نهاية الحرب الباردة. فمنذ بنما، امتنعت واشنطن عن التدخل العسكري العلني لإسقاط رؤساء دول، مفضّلة أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات والدعم غير المباشر للمعارضة. كسر هذا التقليد يعيد طرح سؤال جوهري: هل عادت الولايات المتحدة إلى منطق "الضربة المباشرة" في فنائها الخلفي؟
تشابه التهم… واختلاف الأزمنة
كما في حالة نورييغا، تُوجَّه إلى مادورو اتهامات ثقيلة، أبرزها الارتباط بشبكات المخدرات و”الإرهاب المرتبط بالجريمة المنظمة”. هذا التشابه في التوصيف ليس تفصيلاً، بل يعكس نمطًا سياسيًا أميركيًا قديمًا يقوم على نزع الشرعية عن الخصم داخليًا ودوليًا، تمهيدًا لتبرير التدخل الخارجي.
غير أن الفارق الجوهري بين 1989 واليوم يكمن في البيئة الدولية. فالعالم لم يعد أحادي القطبية كما كان عند انهيار الاتحاد السوفياتي، وروسيا والصين باتتا لاعبين فاعلين في أميركا اللاتينية، بما في ذلك فنزويلا. وهذا ما يجعل أي تدخل أميركي مباشر محفوفًا بتداعيات دولية أوسع، تتجاوز حدود كاراكاس.
كاراكاس في قلب العاصفة
في الداخل الفنزويلي، خلق غياب المعلومات المؤكدة حول مصير مادورو حالة من الإرباك غير المسبوق. إعلان نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز أن الحكومة لا تعرف مكان الرئيس ولا وضعه الصحي يعكس حجم الصدمة، ويضع الدولة أمام فراغ سياسي وأمني خطير. ففي بنما، أدى اعتقال نورييغا إلى انهيار سريع للنظام، لكن ذلك لم يمنع سنوات من عدم الاستقرار والتبعية السياسية.
اليوم، تخشى قطاعات واسعة في فنزويلا أن يتحول سيناريو “التحرير بالقوة” إلى مدخل لفوضى داخلية، خصوصًا في بلد يعاني أصلًا من انهيار اقتصادي حاد وانقسام اجتماعي عميق.
سابقة نورييغا… دروس لم تُحسم
تجربة بنما لم تكن نظيفة النتائج. صحيح أن نورييغا أُدين في المحاكم الأميركية، لكن الجدل القانوني والأخلاقي حول شرعية الغزو لم ينتهِ. سقط مئات المدنيين، وتعرّضت سيادة دولة كاملة للانتهاك، ولا تزال تلك العملية تُدرّس كنموذج إشكالي للتدخل العسكري.
اليوم، يُطرح السؤال نفسه: هل يؤدي اعتقال مادورو إلى استقرار فنزويلا أم يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الوصاية والفوضى؟
ما بعد شبح 1989
استحضار بنما ليس مجرد مقارنة تاريخية، بل تحذير سياسي. فحين تُدار الأزمات الدولية بمنطق القوة بدل الدبلوماسية، تصبح النتائج غير مضمونة، حتى بالنسبة للقوة المتدخلة نفسها. وإذا كانت واشنطن ترى في ما جرى “إنجازًا أمنيًا”، فإن كثيرين في أميركا اللاتينية يرونه عودة إلى سياسات الهيمنة القديمة.
في المحصلة، تقف فنزويلا اليوم عند مفترق طرق خطير. فإما أن يتحول الحدث إلى بداية مسار سياسي منضبط يجنّب البلاد الانهيار، أو يصبح نسخة جديدة من تجربة بنما، حيث سقط النظام، لكن الأسئلة الكبرى بقيت بلا إجابات.
شبح 1989 لا يخيّم على فنزويلا من باب الحنين إلى الماضي، بل من باب الخوف من تكراره.