في أول عيد ميلاد له بعد الرحيل، يبدو زياد الرحباني حاضراً بثقل مختلف، حضور لا يعتمد على الصورة ولا على الجسد، بل على الأثر، كأن الغياب لم يلغِه بل أعاده إلى مكانه الطبيعي، داخل الذاكرة الجماعية للبنانيين، حيث لا زمن يمر، ولا مرحلة تطوى بسهولة.
زياد لم يكن مجرد موسيقي أو كاتب مسرحي، بل حالة كاملة، كان صوتاً خرج من قلب التناقض اللبناني، وقرر أن يقول ما لا يقال، وأن يضحك حيث يفترض البكاء، وأن يكشف القبح بلا مساحيق. في أعماله، لم يكن اللبناني بطلاً ولا ضحية فقط، بل إنساناً مأزوماً، مرتبكاً، غاضباً، ومضحكاً في آنٍ واحد. لذلك شعر كثيرون أن زياد يكتب عنهم، لا عن شخصيات متخيَّلة على خشبة المسرح.
ورغم انتمائه الواضح إلى الفكر اليساري، ورغم أن مواقفه السياسية كانت، ولا تزال، موضع خلاف مع شريحة واسعة من اللبنانيين، استطاع زياد أن يتجاوز الاصطفافات والحسابات الضيّقة. لم يُحاصَر في خانة سياسية واحدة، ولم يُسمَع فقط من الذين يشبهونه في الرأي. على العكس، دخل إلى عقول وقلوب بيوت تختلف معه سياسياً، بخفّة ذكية، ومن دون خطابات مباشرة أو شعارات جاهزة. كان يمر عبر الموسيقى والضحك والسخرية، فيقول ما يريد قوله، ويترك لكل مستمع أن يلتقطه بطريقته.
وربما في جملة واحدة مثل "أنا مش كافر… بس الجوع كافر"، لخص زياد الرحباني قدرته على تجاوز السياسة إلى الإنسان. لم تكن شعاراً أيديولوجياً، بل صرخة معيشية فهمها الجميع، مهما اختلفوا معه في الرأي، فدخلت كل بيت لأنها قالت ما يشعر به الناس قبل أن تشرحه السياسة.
في عيد ميلاده الأول بعد الرحيل، نكتشف أن الزمن لم يخفف حدة كلماته، بل زادها وضوحاً. ما قاله عن السياسة، عن الطائفية، عن الخيبات الجماعية، وعن الانهيار الأخلاقي، يبدو اليوم كأنه كتب لهذه اللحظة بالذات. زياد لم يكن نبياً، لكنه كان يملك حدس من يعرف هذا البلد أكثر مما يحبه، ومن يحبه أكثر مما يعترف.
أن تكون ابن فيروز والرحابنة كان قدراً ثقيلاً، لكن زياد لم يختبئ خلف الاسم، ولم يكرر المدرسة نفسها، شق طريقه الخاص، اصطدم، اختلف، وكسر الصورة المتوقَّعة. اختار أن يكون ناقداً في بيئة تفضّل الصمت، ومبدعاً لا يقدّم أعمالاً مريحة أو سهلة الهضم. لذلك لم يكن إجماعاً، ولن يكون، لأنه ببساطة لم يسعَ يوماً إلى إرضاء الجميع.
في أول عيد ميلاد له بعد الرحيل، لا نحتفل بالمعنى التقليدي للكلمة، لا قالب حلوى ولا أمنيات، ما نفعله ببساطة هو العودة إلى زياد، إلى موسيقاه، إلى نصوصه، إلى سخريته التي تشبهنا حد الألم. نعود لأننا نعرف أنه، حتى وهو غائب، لا يزال يقول ما لا نجرؤ على قوله، ويذكّرنا بأن هذا البلد، مهما انكسر، لا يزال يحتاج إلى من يواجهه بالحقيقة.
زياد الرحباني رحل، لكن حضوره لم يُقفل، هو باق في الجملة التي نضحك عليها ثم نصمت، في اللحن الذي يحمل مرارة غير معلنة، وفي ذلك الإحساس الثقيل بأن أحداً سبقنا وقال كل شيء، وترك لنا مهمة الفهم.