في وقت كان الحديث عن إنماء عكار والشمال يقتصر على الوعود والشعارات، كان النائب فؤاد مخزومي يحاول ترجمة رؤيته إلى مشاريع فعلية على الأرض. فمنذ سنوات، اتخذ قراراً بالاستثمار في منطقة القليعات عبر مشروع Future Park Industries، واضعاً نصب عينيه هدفاً واضحاً، خلق فرص عمل لأبناء المنطقة وتحويلها إلى مركز اقتصادي وصناعي قادر على استقطاب الاستثمارات وتحريك عجلة الإنتاج.
يومها، لم يكن الحديث عن إعادة تشغيل مطار القليعات مطروحاً بالزخم الذي نشهده اليوم، ولم تكن المنطقة تحظى بالاهتمام الذي تحظى به حالياً. إلا أن مخزومي قرأ مبكراً الإمكانات الكامنة في عكار، ورأى فيها أكثر من مجرد منطقة مهمّشة، رأى فيها بوابة اقتصادية واعدة للبنان كله، وموقعاً استراتيجياً قادراً على لعب دور محوري في حركة الصناعة والتجارة والنقل بين لبنان ومحيطه العربي.
وانطلاقاً من هذه القناعة، لم يتعامل مع الاستثمار في القليعات كخطوة تجارية بحتة، بل كمشروع تنموي متكامل يهدف إلى خلق دورة اقتصادية مستدامة، وتوفير فرص عمل للشباب، والحد من الهجرة التي لطالما استنزفت طاقات المنطقة وقدراتها البشرية.
لكن هذه الرؤية لم تُقابل بالدعم المطلوب، بل واجهت عراقيل وحسابات سياسية ضيقة، أدت في نهاية المطاف إلى إقفال المشروع، في خطوة اعتبرها كثيرون يومها ضربة لفرصة حقيقية كانت قادرة على إحداث تغيير اقتصادي واجتماعي في المنطقة. فبدلاً من احتضان المبادرات الاستثمارية وتشجيعها، دخلت الحسابات السياسية على الخط، لتطغى على المصلحة الإنمائية والاقتصادية التي كانت عكار بأمسّ الحاجة إليها.
واليوم، مع إعادة تشغيل مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض – القليعات، تعود تلك المرحلة إلى الواجهة من جديد. فكل ما يُقال اليوم عن أهمية الموقع الاستراتيجي للمنطقة، وقدرتها على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل وتحويل الشمال إلى مركز اقتصادي ولوجستي، يثبت أن الرؤية التي حملها مخزومي قبل سنوات لم تكن حلماً أو مغامرة، بل قراءة مبكرة لمستقبل المنطقة.
فالمطار الذي يُنظر إليه اليوم كرافعة اقتصادية للشمال وعكار، كان يشكل جزءاً أساسياً من المعادلة التي بُنيت عليها تلك الرؤية. ومن هنا، يرى كثيرون أن ما يحصل اليوم ليس سوى تأكيد متأخر على صحة الخيارات التي طُرحت سابقاً، والتي كان يمكن أن تضع المنطقة على سكة النهوض منذ سنوات لو لم تتم محاربتها أو تعطيلها.
ومع انطلاق مرحلة جديدة في القليعات، تبدو رسالة السنوات الماضية أكثر وضوحاً، لم تكن المشكلة يوماً في غياب الفرص أو الإمكانات، بل في غياب الإرادة لاحتضانها والاستفادة منها. أما اليوم، فإن الوقائع تعطي حقها لمن آمن بعكار قبل أن تصبح محط أنظار الجميع، ولمن رأى في الشمال مشروع ازدهار اقتصادي قبل أن يتحول إلى أولوية على طاولة الدولة.