قواعد الاشتباك تغيّرت.. ما السيناريوهات المحتملة في الأيام المقبلة؟

gharat

تحدّث الخبير فى الشؤون العسكرية والعلاقات الدولية الجنرال بهاء حلال عن الضربات الإسرائيلية التي طالت مناطق خارج نطاق الاشتباك التقليدي، مشيراً إلى أن استهداف عرمون ومحيط ميرنا الشالوحي وغيرها يدل على نية إسرائيل إحداث تغيير عملي في قواعد الاشتباك. وأوضح أن المسألة لا تقتصر على توسّع جغرافي في القصف، بل تحمل أبعاداً عسكرية وسياسية أوسع.

ولفت حلال في حديث لـLebTalks إلى وجود ثلاثة أسباب محتملة لهذا النمط من التوسع في الاستهدافات:

أولاً: كسر مفهوم الملاذ الآمن

يرى حلال أن إسرائيل تحاول ترسيخ مفهوم جديد يقوم على كسر فكرة وجود مناطق آمنة في لبنان، وإيصال رسالة مفادها أن أي منطقة قد تكون هدفاً، وليس فقط الضاحية الجنوبية أو الجنوب أو البقاع. ويشير إلى أن الضربات طالت مناطق في العاصمة بيروت في سابقة خطيرة خلال السنوات الأخيرة، حيث استُهدفت مناطق مثل الروشة والرملة البيضاء وغيرها. ويهدف هذا الأسلوب، بحسب حلال، إلى ممارسة ضغط نفسي على البيئة اللبنانية، وزيادة الضغط على الدولة اللبنانية. ويضيف أن ما يُلاحظ هو أنه بعد كل موجة ضربات، يظهر أثر هذا الضغط في الخطاب الرسمي، إذ يتحدث رئيس الحكومة عن القرارات الحكومية وآليات تنفيذها، في سياق ردّ الفعل على هذه الضربات التي تستهدف مناطق تشكّل ضغطاً سياسياً على الحكومة.

ثانياً: ضرب البنية اللوجستية

يوضح حلال أن الضربات الإسرائيلية لم تعد تقتصر على استهداف القيادات، بل باتت تشمل أيضاً البنية اللوجستية، مثل وسائل النقل والاتصال. ويشير إلى أن الأمر وصل إلى قصف بعض الجسور والممرات، وهو ما يهدف إلى عزل ساحة المعركة وقطع طرق الإمداد.

ثالثاً: الضغط السياسي على الدولة اللبنانية

بحسب حلال، تربط إسرائيل الحرب بمطلب نزع سلاح حزب الله، وتهدد بتوسيع العمليات في حال عدم تحقيق ذلك. ولذلك فإن الضربات خارج الضاحية تحمل رسالة قوية إلى الدولة اللبنانية، وليس إلى الحزب فقط. كما يشير إلى أن إسرائيل لجأت أيضاً إلى عمليات إخلاء واسعة في منطقة جنوب الليطاني، امتدت إلى جنوب الزهراني، وهو ما قد يشير إلى احتمال التحضير لعملية برية. إلا أن حلال يؤكد في حديث لموقعنا أنه حتى الآن لا يوجد دليل واضح على عملية برية واسعة. لكنه يلفت إلى أن تزامن عمليات الإخلاء مع استهداف الجسور وقطع الطرق وتحريك وحدات عسكرية مثل لواء غولاني شمالاً قد يشير إلى تهيئة مسرح العمليات لعمل عسكري ما، قد يكون هدفه تثبيت السيطرة جنوب الليطاني.

وفي ما يتعلق بإمكانية ذهاب إسرائيل إلى احتلال واسع شبيه باجتياح عام 1982، يوضح حلال أن البنية العسكرية لحزب الله تغيّرت كثيراً منذ ذلك الوقت. فالحزب يمتلك اليوم آلاف الصواريخ الدقيقة، ويعتمد على أساليب قتال غير متماثلة، ما يجعل أي احتلال واسع مكلفاً جداً لإسرائيل، وقد يجرّها إلى حرب استنزاف طويلة وخسائر كبيرة.

كما يشير إلى أن انشغال إسرائيل بجبهات أخرى في المنطقة قد يمنعها من تنفيذ عملية برية واسعة تصل إلى بيروت، نظراً لتعقيد الحرب الإقليمية. ويرى أن السيناريو الأقرب يتمثل في عملية محدودة حتى نهر الليطاني وإنشاء منطقة عازلة بعمق يصل إلى نحو 15 كيلومتراً.

ويتحدث حلال أيضاً عن احتمال عملية أوسع باتجاه الزهراني، مشيراً إلى أن إنذارات الإخلاء، وضرب الجسور، وتوسيع رقعة القصف قد تعطي مؤشرات على احتمال أن يكون الهدف الوصول إلى هذه المنطقة. لكنه يوضح أن هذا السيناريو قد يكون موقتاً بهدف تثبيت الهدف الأساسي، وهو الوصول إلى الليطاني. ويضيف أنه إذا قررت إسرائيل التقدم حتى الزهراني، فستكون العملية العسكرية صعبة جداً وربما شبه مستحيلة، ولذلك فإن احتمال هذا السيناريو يبقى ضعيفاً.

أما السيناريو الثالث، فهو اجتياح واسع نحو صيدا أو بيروت يشبه الاجتياح الكامل عام 1983، وهو خيار يصفه حلال بأنه ذو كلفة عسكرية هائلة، مرجحاً أن المؤسسة الأمنية في إسرائيل لن تفضّل هذا الحل.

وعند الحديث عن أي توغل بري محتمل، يوضح حلال أن إسرائيل قد تعمل عبر ثلاثة محاور رئيسية: الغربي، والأوسط، والشرقي.

المحور الغربي يمتد من الناقورة إلى صور وصولاً إلى الزهراني، ويهدف إلى السيطرة على الساحل. إلا أن هذا المحور مكشوف، ما قد يعرّض القوات الإسرائيلية لكثير من العراقيل أثناء تقدمها.

أما المحور الأوسط فيمر عبر بنت جبيل وتبنين والنبطية، وصولاً إلى المنطقة الواقعة بين العديسة ومركبا والطيبة. ويصف حلال هذا المحور بأنه جذاب عسكرياً لإسرائيل، لكنه في الوقت نفسه الأصعب قتالياً، لأن معظم دفاعات حزب الله متمركزة في هذه المنطقة.

أما المحور الشرقي فيمتد عبر مرجعيون والخيام وحاصبيا، وهو محور جبلي يفتح الطريق نحو البقاع. ويشير حلال في حديث لـLebTalks إلى أن إسرائيل لم تعتمد هذا المحور تاريخياً، لكن المتغيرات الأخيرة، ومنها كثرة الحديث عن الحدود الشرقية، وانهيار نظام الأسد وقيام نظام في سوريا معادٍ لحزب الله، قد تجعل هذا المحور أكثر أهمية. ويضيف أن إسرائيل حاولت التوغل في الخيام أكثر من مرة في الفترة الأخيرة.

ويؤكد حلال أن المنطقة العازلة تشكّل هدفاً رئيسياً لإسرائيل في هذه المرحلة. إلا أن تحقيق هذا الهدف لا يزال صعباً، لأن إنشاء منطقة عازلة يتطلب سيطرة برية كاملة وبقاءً عسكرياً واحتلالاً فعلياً، وليس مجرد توغل أو تثبيت نقاط محدودة.

ويرى أن السيناريو الأقرب للتحقق هو منطقة عازلة بالنار، أي عبر القصف الدائم والإشراف العسكري من دون احتلال مباشر، مع الحفاظ على نقاط محددة ومنع عودة حزب الله إلى المنطقة.

وفي ما يتعلق بقصف بيروت، يوضح حلال أن الهدف من هذه الضربات استهداف قيادات أو غرف عمليات، وضرب البنية اللوجستية، وإيصال رسالة استراتيجية إلى حزب الله، إضافة إلى الضغط على الحكومة اللبنانية. كما قد تهدف هذه الضربات إلى خلق توترات بين البيئات اللبنانية المختلفة، وهو ما قد يشكل سيناريو جذاباً لإسرائيل.

مع ذلك، يشدد حلال على أن بيروت ليست هدفاً استراتيجياً للهجوم الإسرائيلي، بل إن الضربات فيها أقرب إلى عمليات محددة تحمل رسائل سياسية.

ويخلص حلال إلى أن ما يحدث حالياً يمثل تصعيداً كبيراً لكنه لا يزال تحت سقف الحرب المحدودة. ويرى أن الاحتمال الأكثر ترجيحاً هو عملية برية محدودة جنوب الليطاني، مع الضغط لإقامة منطقة عازلة وتوسيع الضربات لتشمل مناطق مختلفة من لبنان بهدف خلق ضغط سياسي.

ويضيف أن الاجتياح الواسع يبقى احتمالاً ضعيفاً جداً، لكنه ليس مستحيلاً في حال توسعت الحرب إقليمياً.

كما يلفت حلال في حديث لموقعنا إلى أن دخول حزب الله في المواجهة لا يمكن وصفه بأنه إسناد لإيران، بل هو استناد إلى إيران.

وفي سياق آخر، علّق حلال على ما عُرف ببيان "الضباط الوطنيين"، مشيراً إلى أن جميع الضباط والعسكريين تفاجأوا بصدور مثل هذا البيان، مؤكداً أنه لا يوجد أي مكوّن أو إطار يُعرف باسم الضباط الوطنيين. وأضاف أن نشر مثل هذا البيان يوحي وكأن هناك ضباطاً وطنيين وآخرين غير وطنيين، وهو أمر غير صحيح وبعيد من الواقع.

وشدد حلال على أن جميع الضباط في لبنان، سواء كانوا في الخدمة أو متقاعدين، وفي مختلف القوى المسلحة، هم ضباط وطنيون. كما أكد أن رابطة قدماء القوى المسلحة لا علاقة لها بهذا البيان المفبرك، معتبراً أن الهجوم على موقع قائد الجيش أمر غير مقبول.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: