نقولها بصراحة: لقد أصبح واضحاً أن قيام الدولة نقيض مشروع حزب الله.
فاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، من حسناته، أنه كشف القناع الذي تلطّى خلفه الحزب في تبرير سلاحه، تحت سردية الدفاع عن لبنان واللبنانيين في مواجهة "المحتل".
لبنان دولة، على علّاتها، وما اتفاق الإطار إلا أحد تجليات حضور الدولة بوصفها أحد الفاعلين في المجتمع الدولي. إلا أن هذا الاتفاق لا يزال يصطدم برفض الحزب، الذي ما زال يفرض إيقاعه وشروطه على مختلف تفاصيل المشهد الداخلي، بحيث باتت المشكلة تتمثل في التعارض القائم بين سيادة الدولة ونفوذ حزب يملك تأثيراً حاسماً في السياسة والقرار.
والتلويح بالعودة إلى السلاح يطرح التساؤل الأصعب: ما مصير الشيعة في لبنان إذا قرر الحزب العودة مجدداً إلى أتون القتال؟ ومن هنا تنبع الخشية من تحويل الشيعة إلى ضحايا حرب ميدانية، وتعريض منازلهم للقصف ووجودهم للخطر، مع احتمال إقحام المجتمع الشيعي في مواجهة مباشرة قد تؤدي إلى نزوح واسع ودمار هائل.
من هنا تتجه الأنظار إلى موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري من "اتفاق الإطار". فقد كان الرئيس بري يقول إن "هذا الاتفاق يوقف الحرب"، وكان مؤيداً له، ثم عاد فجأة ليغيّر موقفه ويعتبره أسوأ من اتفاق 17 أيار.
فتغيّر موقف بري لم يكن، بحسب هذا الطرح، وليد قناعته، بل نتيجة ضغوط إيرانية رفيعة المستوى، أعقبت الاتصال الذي أجراه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف مع الرئيس بري، وأدى إلى تراجعه عن موقفه المؤيد لاتفاق الإطار.
والواضح أن مواقف القيادات قد تتغير بفعل ضغوط خارجية، ولا سيما إيرانية، وليس بالضرورة نتيجة تقييم تقني أو علمي أو موضوعي للاتفاق.
فما يتضمنه الاتفاق من مزايا عملية، وسبب دعمه مبدئياً، أنه جاء ليؤدي إلى وقف إطلاق النار، ووقف التدمير الإسرائيلي للمنازل، ومنع التقدم والاجتياحات البرية، ووضع إطار زمني للانسحاب الإسرائيلي وإعادة انتشاره خارج الأراضي اللبنانية.
وهذا الاتفاق الإطاري هو أفضل الخيارات السيئة، لأن لبنان لا يملك سوى خيارين: السيئ، وهو اتفاق الإطار، والأسوأ، وهو استمرار الحرب أو اتساع رقعة الدمار في لبنان.
وأقلّه أن هذا الاتفاق مكّن لبنان من فتح مسار نحو انسحاب إسرائيلي تدريجي ومجدول بضمانة أميركية، في حين أن سلاح حزب الله لم ينجح في تحرير لبنان، ولا في منع إسرائيل من دخول نصف الجنوب اللبناني.
ورفض الحزب لهذا الاتفاق ليس سوى انعكاس للرفض الإيراني له. فالحزب بات "على المكشوف"، يلصق جبهة لبنان بجبهة إيران، ويربط مصير لبنان بمصير النظام الإيراني. وثمة تسجيلات وتصريحات صادرة عن قيادات في حزب الله تُقرّ بالارتباط الإيراني، ومنها قول الأمين العام السابق حسن نصرالله إنه "جندي في جيش ولاية الفقيه"، فضلاً عن مواقف وتصريحات أخرى تؤكد الاعتماد على إيران مادياً وعسكرياً.
وهذا ما زاد من تعقيدات أزمة الدولة مع الحزب، والمتمثلة في فقدان استقلالية قراره، وتحوله إلى ذراع تنفيذية للإرادة الإيرانية، بما بات يُعدّ تهديداً لهوية لبنان ولمنطق الدولة اللبنانية.
جابت كتائب الدراجات النارية التابعة للحزب شوارع بيروت وقطعت طريق المطار، لكن الجيش تصدّى لها "بكل حزم وبسالة". وقد تبنّى حزب الله عملية الدراجين، وأعلن في بيان واضح مسؤوليته عنها، فضلاً عن تحرّك مسلحين داخل العاصمة وقطعهم طرقاً رئيسية، وفي مقدمها طريق المطار، ما شكّل ولا يزال يشكّل تحدياً لسيادة الدولة وأمنها.
فمن يدير الحزب فعلياً اليوم هو الحرس الثوري الإيراني، وهو من أطلق الصواريخ مع بداية الحرب الأخيرة، وأدار الجبهة حتى يوم وقف إطلاق النار، وهو أيضاً من بنى أنفاق علي الطاهر، التي يُمنع الجيش اللبناني اليوم، بقرار إسرائيلي، من دخولها، لما تحتويه، بحسب هذا الطرح، من حقائق عسكرية إيرانية مفيدة لتل أبيب. وبالتالي، فإن للحرس الثوري علاقة مباشرة بملف علي الطاهر، بالتنسيق والدور التنفيذي مع حزب الله.
ومن هنا، إذا ثبت وجود قيادة إيرانية مباشرة في الساحة اللبنانية، فإن ذلك يزيد من فقدان لبنان استقلالية قراره في السلم والحرب، ويهدد استقراره. فأمامنا حتى الآن 4500 ضحية سقطوا خلال الحرب الأخيرة، فضلاً عن مئات الضحايا من الأبرياء، ووجود مليون ونصف مليون مواطن شيعي في الخيام ومراكز الإيواء. وقد ألحقت تلك الحرب بالشيعة "نكبة ومأساة" لم تحصل منذ نكبة كربلاء، إذ إن أعداد الشهداء والنازحين، وحجم الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية، تشكّل أزمة إنسانية ضخمة، بل كارثة بكل ما للكلمة من معنى.
لذا، فإن مشروع حزب الله هو "نقيض هوية لبنان"، كما أنه نقيض الدولة اللبنانية، إذ يسعى إلى ضم لبنان إلى مشروع إيراني أوسع، وهنا تكمن جوهر المشكلة معه. وبالتالي، ثمة تعارض واضح بين الهوية اللبنانية التعددية ورؤية تقوم على استيعاب الدولة ضمن مشروع إقليمي واحد.
أما بالعودة إلى موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري من اتفاق الإطار، فإن الأخير تمايز عن حزب الله، وحرص حتى الآن على عدم الانزلاق إلى "حمام دم" شيعي – شيعي، لأنه لا يريد أن تكون هذه نهاية حياته السياسية.
فالرئيس بري تميّز وتباين عن حزب الله سياسياً، وتبنّى موقفاً انتقادياً من اتفاق الإطار بعد كلام قاليباف معه، لكنه لم يكن، ولن يكون، جزءاً من أي تحالف مسلح لإسقاط الاتفاق.
فالخشية كبيرة ومتزايدة من انزلاق شيعي – شيعي داخلي إذا استمر الحزب في رفع سقف التصعيد، لما قد يترتب على ذلك من أثمان بشرية وسياسية كبيرة، لن يتحملها بري ولا حركة أمل. وقد رأينا موقف بري والحركة من قرارات جلسة مجلس الوزراء في 2 آذار، التي حظرت النشاط العسكري والأمني لحزب الله واعتبرته خارجاً عن القانون، إذ دعم بري موقف الحكومة وقرار حصر السلاح بيد الدولة، واعتبار سلاح الحزب غير شرعي وخارجاً عن القانون.
فقرار الحكومة في 2 آذار بحظر النشاط العسكري لحزب الله، وتأييد بري لقرار حصر السلاح بيد الدولة، يعكسان موقف الرئيس بري بكل تأكيد.
لذا، فإن أهمية اتفاق الإطار تكمن في أن البديل عنه هو الحرب. فمن يعترض عليه، عليه أن يقدّم بديلاً عملياً. فلا مجال أمام الحزب اليوم لتكرار سيناريو 7 أيار، لأن ظروف اليوم تختلف جذرياً عن ظروف ما قبل 7 أيار 2008، في ظل غياب الحلفاء الداخليين والإقليميين الذين كان يتمتع بهم آنذاك، سواء مع غياب النظام السوري الداعم للحزب، أو عدم وجود حلفاء داخليين له من المسيحيين والدروز والسنة.
ولو افترضنا، جدلاً، عودة الحرب بعد إسقاط الاتفاق، فمن سيدفع الثمن؟ ومن سيتحمّل تبعاتها داخلياً ودولياً سوى الطائفة الشيعية الكريمة؟
فاستخدام ورقة الحرب الأهلية كوسيلة للضغط السياسي الداخلي يُمثّل أداة ترهيب تستهدف دفع الدولة إلى التراجع عن قراراتها. لكن يبقى أن هناك حالة وعي كبيرة لدى اللبنانيين، ولا سيما أبناء الطائفة الشيعية، تجاه مخاطر تحوّل لبنان إلى ساحة إيرانية أو إلى جزء من إيران.
وبغض النظر عن دستورية أو عدم دستورية عرض الاتفاق على مجلسَي الوزراء والنواب، فإن الاتفاق "بيمرق"، لأنه يحظى بأغلبية داخل الحكومة، وكذلك داخل مجلس النواب في حال أُحيل إليه، إذ لا أحد يستطيع تحمّل سقوطه، لأن البديل سيكون حتماً عودة الحرب، مع ما يرافق ذلك من غموض حول الجهة التي ستتحمّل المسؤولية داخلياً وخارجياً.
وما زيارة النائب جبران باسيل إلى الرئيس نبيه بري إلا محاولة من باسيل لإعادة التموضع انتخابياً، في ظل وجود نحو 7000 صوت شيعي في منطقة جزين، قد تُحتسب لصالح مرشحين مثل جبران باسيل في مقايضات انتخابية لاحقة. أما على الصعيد الاستراتيجي العام، فلا يمكن لباسيل الانخراط في أي مسار يهدف إلى إسقاط اتفاق الإطار.
كما أن محاولة استقطاب أصوات النازحين أو توظيفها انتخابياً قد تكون بالغة الصعوبة، نظراً إلى كونهم معرّضين للتهجير والضغوط، ما يجعل هذه الورقة مشكوكاً في نتائجها، في ظل تنامي النقمة الشعبية ضد الحزب وحروبه التدميرية، ولا سيما داخل البيئة الشيعية أولاً وأخيراً.
وفي انتظار تبلور المشهد اللبناني المعقّد، تستكمل إسرائيل مخططاتها في الجنوب، من خلال خطوتها الجديدة المتمثلة بإقامة "بوابات" على "الخط الأصفر" (الخط الأزرق/الفاصل)، وما قد يتركه ذلك من تأثير على تنفيذ اتفاق الإطار، وعلى سيادة لبنان، وحركة المدنيين، وأمن الحدود.
فالوضع اللبناني يقف في عين العاصفة، ولا نبالغ إذا قلنا إن لبنان بات اليوم يكاد يكون ساحة الصراع الإقليمي الوحيدة التي لا تزال مشتعلة. فهل ستستمر الدولة اللبنانية في مواجهة تصعيد حزب الله وتهديداته، أم ستتراجع تحت وطأة الضغوط؟ وما مصير اللبنانيين، ولا سيما أبناء الطائفة الشيعية، إذا قرر حزب الله العودة إلى المواجهة المباشرة؟ ومن سيكون المتضرر؟ ومن سيدفع ثمن هذه المواجهة؟ وما البديل العملي إذا سقط اتفاق الإطار؟ وهل سيكون البديل فعلاً هو الحرب؟ وهل سيتحمّل الرئيس نبيه بري أي تبعة في حال سقوط الاتفاق؟
والمؤشرات لا توحي بأن لبنان يتجه نحو الهدوء، بل على العكس، نحو مزيد من احتمالات الحرب. فالرئيس دونالد ترامب بات يمتلك صلاحيات التدخل العسكري في لبنان، فيما تبدي فرنسا وإيطاليا استعدادهما لتشكيل قوة عسكرية للتدخل في الجنوب، وإسرائيل تمضي في بناء البوابات وتعلن أنها لن تنسحب من الجنوب ما دام سلاح الحزب قائماً، في وقت يبدي فيه الجانب السوري، من بيروت، استعداده للانخراط في أي تحالف إقليمي – دولي يهدف إلى نزع سلاح الحزب، فيما يُصرّ الأخير على المواجهة ورفض اتفاق الإطار، تبعاً لرفض طهران له.
مؤشرات، إذا ما جُمعت معاً، ترسم بداية مشهد قد يقود إلى الفصل السابع وتدخل عسكري دولي – إقليمي لمعالجة مسألة السلاح.