حين يدعو رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل إلى مناظرة مع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، لا يكون السؤال: هل يقبل أم يرفض؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا الآن، ولماذا بهذه الطريقة، ولماذا بعد كل ما حصل؟
المناظرة، في هذه الحالة، ليست بحثاً عن الحقيقة، بل محاولة لإعادة كتابة التاريخ على الهواء. فمن أمسك بالسلطة لسنوات، ومن كان في قلب القرار، ومن غطّى الخيارات التي أوصلت لبنان إلى الانهيار، لا يطلب مناظرة، بل يقدّم كشف حساب.
اللبنانيون عموماً، والمسيحيون تحديداً، لا يحتاجون إلى مناظرة ليعرفوا من حكم، من وعد، من فشل، ومن لا يزال يرفض الاعتراف بالفشل.
الانهيار الذي نعيشه لم يأتِ من فراغ، ولم يسقط من السماء، بل هو نتيجة خيارات سياسية واضحة، وتنازلات معروفة، ومقايضات جرى تسويقها للمسيحيين على أنها "حقوق"، فكانت في الواقع إضعافاً للدولة وضرباً لدورهم.
طلب المناظرة اليوم يأتي وكأن المشكلة كانت في التواصل لا في القرار، وفي الأسلوب لا في النهج.
رفض جعجع للمناظرة هو رفض لتضليل الرأي العام المسيحي، ورفض لاختصار سنوات من السيطرة على القرار، ومن التعطيل، ومن الانهيار، بمواجهة إعلامية تُدار بالخطاب واللغة بدل الوقائع والمسؤوليات.
المشكلة في لبنان ليست أننا لم نتكلّم بما فيه الكفاية، بل إن باسيل تكلّم كثيرًا، وفعل عكس ما قيل. فالمسيحيون لا يريدون من يدافع عن نفسه، بل من يعترف، لا يريدون من يصرخ، بل من يتحمّل المسؤولية.
فالمناظرة، لا تُعيد أموال الناس، ولا تُصلح ما كُسر، ولا تُعيد للدولة هيبتها، ولا تُنقذ ما تبقّى من موقع الرئاسة، ومن يريد الحقيقة، فالحقيقة موجودة في النتائج، ومن يريد المحاسبة، فالمحاسبة تكون أمام الناس والتاريخ، لا أمام كاميرا.
ولهذا، رفض جعجع للمناظرة ليس تردّداً، بل موقف واضح، لبنان لا يحتاج سجالًا جديداً، بل خروجاً صريحاً من نهج أوصله إلى الهاوية.