كتب جان بيار شلّيطا:
كالعادة، اختلفت مواقف النواب اللبنانيين في قراءتهم للقاء الذي جمع رئيس الجمهورية جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الثلثاء، إلا أن معظمها التقى عند اعتباره محطة سياسية مهمة، مع تباين واضح في تقييم أهدافه ونتائجه المنتظرة.
تباينت القراءات بين من رأى فيه محطة مفصلية تؤسس لمرحلة جديدة في مسار استعادة الدولة اللبنانية لدورها وسيادتها، وبين من فضّل التريّث وعدم استباق النتائج، معتبراً أن الحكم الحقيقي يبقى مرتبطاً بما سيترجم عملياً على الأرض، ولا سيما في ما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النار.
الأسمر: اللقاء تتويج لمسار استعادة الدولة وسيادتها
وفي السياق، أكّد عضو تكتل الجمهورية القوية النائب سعيد الأسمر أن "اللقاء بين عون وترامب ليس حلقة مفرغة، بل يشكّل محطة أساسية ضمن مسار متكامل بدأ في 5 آب 2025، واستُكمل في 2 آذار 2026، وتُوّج بهذا اللقاء الذي يهدف إلى تثبيت سيادة لبنان وتعزيز حضور الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية".
وأشار الأسمر إلى أن "لبنان عانى على مدى سنوات من أزمات متلاحقة نتيجة غياب الدولة. كما خضع في مراحل سابقة لوصايتين سورية وإيرانية، الأمر الذي ساهم في تضخّم النفوذ العسكري لحزب الله وتراجع دور مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية، ما أفقدها عملياً قرار السلم والحرب".
كما شدّد على أنه "ومنذ العام الماضي، سعت الدولة اللبنانية بقيادة الرئيس عون إلى معالجة هذا الملف عبر الحوار والتفاوض مع الحزب، على أمل الوصول إلى حل سلمي يحفظ الاستقرار الداخلي. إلا أن هذه المقاربة لم تُفضِ إلى النتائج المرجوة، بل قابلها الحزب بمزيد من التشدد والتمسك بأجنداته الخارجية، ما ساهم في تفاقم المواجهة العسكرية واتساع رقعتها بصورة غير مسبوقة".
وتابع: "انطلاقاً من مسؤوليتها في استعادة هيبتها، اتخذت السلطة اللبنانية سلسلة من القرارات المفصلية، وجاء لقاء عون وترامب تتويجاً لهذا المسار، بهدف إرساء تعاون فعلي بين لبنان وأميركا. ويكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة، كونه يعكس مستوى غير مسبوق من الاهتمام الأميركي بالوضع اللبناني، سواء لدعم الاستقرار الداخلي أو في إطار رؤية ترامب، الذي يقدّم نفسه باعتباره "رجل السلام"، الساعي إلى إنهاء النزاعات في عدد من مناطق العالم، ومن بينها لبنان".
ولفت الأسمر هنا إلى أن "هذه الرؤية تتقاطع مع مشروع الدولة اللبنانية الرامي إلى إرساء سلام دائم، ووضع حد لدوامة الحروب التي زُجّ لبنان فيها خلال السنوات الماضية. ومن هذا المنطلق، يُعدّ اللقاء بداية لمسار يُفترض أن ينتهي ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وحدها".
ولكن رأى أن "الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب دعماً سياسياً وأمنياً واقتصادياً من المجتمع الدولي، ولا سيما من أميركا والدول العربية الشقيقة. وقد شكّل اللقاء انطلاقة لهذا التعاون، الذي انعكس، وفق هذا الطرح، بنتائج مباشرة تمثلت بإعادة فتح المجال الجوي، وبدء الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني في عدد من المناطق الجنوبية، على أن يكون الهدف النهائي تحقيق انسحاب إسرائيلي كامل، بالتوازي مع استعادة الدولة سيادتها الكاملة وحصر السلاح غير الشرعي بيدها".
عطالله: الإيجابية مرتبطة بتحقيق المطالب اللبنانية
أمّا بالنسبة للنائب جورج عطالله، فرأى أن "حدوث اللقاء بحدّ ذاته يُعدّ مؤشراً إيجابياً، إذ قد يعكس اهتمام ترامب بالملف اللبناني، وهذا في حدّ ذاته أمر مرحّب به. إلا أنّنا كنّا نأمل أن يكون الموقف اللبناني أكثر وضوحاً وتماسكاً، وأن يعكس وحدةً داخلية من خلال حكومة غير منقسمة كما هو الحال اليوم".
وتابع: "مع ذلك، يمكن اعتبار اللقاء إيجابياً إذا أسفر عن تحقيق المطالب والحقوق اللبنانية، وفي مقدّمها الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، واستعادة الأسرى، ووضع خطة واضحة لإعادة الإعمار وتأمين عودة الأهالي إلى الجنوب".
أضاف: "في هذه الحالة، تبرز إيجابية اللقاء على مستويين: أولاً من حيث الشكل، لأن انعقاده بحدّ ذاته يحمل دلالة سياسية مهمة، وثانياً من حيث المضمون، إذا نجح في تحقيق مكاسب ملموسة تصبّ في مصلحة لبنان".
كما لفت عطالله إلى أنه "إذا اقتصر اللقاء على المجاملات الديبلوماسية من دون نتائج عملية، أعتقد أنّ تداعياته ستكون سلبية على الداخل اللبناني، لأنّها سترفع سقف التوقعات من دون أن تُحدث أي تغيير فعلي".
وقال إن "من الواضح أنّ اللقاء بين عون وترامب يأتي في إطار مسار تفاوضي بدأ مع زيارات الموفدين إلى لبنان، وعمل الوفد اللبناني المفاوض، واللقاءات التي عُقدت في الولايات المتحدة وإيطاليا".
ولكن اعتبر عطالله أن "حتى الآن، يبدو هذا المسار أكثر إيجابية من حيث الشكل منه من حيث المضمون. ومع ذلك، لا ينبغي التسرّع في إصدار الأحكام، لأنّ لبنان والمنطقة يمران بمرحلة شديدة التعقيد في ظلّ الأزمة والحرب".
وختم بالقول: "في حال لم تُترجم هذه المفاوضات واللقاءات إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة على الأرض، فقد تبقى مجرّد تحرّكات بروتوكولية لا تتجاوز إطار "الفولكلور" السياسي".
حنكش: عون أثبت أن الديبلوماسية تحقق نتائج ملموسة
بدوره، شدّد النائب الياس حنكش على أن "ليس هناك أي جانب سلبي في انفتاح لبنان على العالم، ولا سيما على الولايات المتحدة، لما يشكّله ذلك من فرصة لتعزيز موقعه السياسي والديبلوماسي وإعادة حضوره على الساحة الدولية".
واعتبر أن "منذ عهد الرئيس أمين الجميّل، لم يشهد لبنان حضوراً بهذا المستوى في البيت الأبيض، بما يعكس أهمية المرحلة والدور الذي يسعى لبنان إلى استعادته في علاقاته الدولية".
وأكّد حنكش أن "اللقاء بين عون وترامب يشكّل بداية مسار يهدف إلى إخراج لبنان من دائرة الدول الغارقة في الأزمات، ليتحدث لبنان باسم لبنان، وتعكس مؤسساته الرسمية وحدها الموقف اللبناني أمام المجتمع الدولي".
وقال: "للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود، رئيس الجمهورية يتحدث باسم الدولة اللبنانية وجميع اللبنانيين، انطلاقاً مما يعتبرونه المصلحة الوطنية العليا، بعيداً من أي أجندات خارجية".
أضاف: "عاد الرئيس عون من واشنطن حاملاً دعماً دولياً ورعاية أميركية لتعزيز مسار الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، في خطوة يُنظر إليها على أنها تأكيد لأولوية العمل الديبلوماسي في معالجة الأزمات".
كما لفت إلى أن "بحسب هذا الطرح، أثبتت التجارب أن منطق الحرب وسلاح الحزب لم يحقق للبنان مكاسب، بل خلّف خسائر بشرية ومادية واستدرج المزيد من المواجهات. وفي المقابل، أثبت عون أن اعتماد الديبلوماسية هو السبيل لتحقيق نتائج ملموسة وحماية المصالح الوطنية".
وختم: "يبقى الامتحان الحقيقي أمام الدولة اللبنانية اليوم في قدرتها على ترجمة هذا المسار عمليًا، من خلال تحقيق حصرية السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية".
موسى: الحكم على اللقاء يبقى رهن النتائج
وفي السياق، قال النائب ميشال موسى إن "لا شكّ في أنّ اللقاء بين الرئيسَين ترامب وعون شكّل خطوة إيجابية، إلا أنّ الحكم على نجاحه يبقى مرتبطاً بما سينتج عنه عملياً. لذلك، لا يزال الجميع بانتظار ترجمة هذا اللقاء إلى نتائج ملموسة على الأرض".
أضاف: "المطلوب قبل أي شيء هو وضوح كامل بشأن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، والتزام فعلي بوقف إطلاق النار، باعتبارهما المدخل الأساسي لأي مسار نحو الاستقرار".
ورأى موسى أن "في المقابل، يصعب استشراف ما ستؤول إليه المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظلّ التبدّل المستمر في السياسة الأميركية وتبدّل أولوياتها تبعاً للظروف".
كما أشار إلى أن "الأمل يبقى أن تُثمر زيارة عون إلى أميركا خطوات عملية تنعكس إيجاباً على الواقع اللبناني، خصوصاً في ظلّ التعقيدات المتزايدة التي تشهدها المنطقة، والتي تجعل أي تقدّم ميداني أو سياسي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى".
وفي انتظار تبلور المشهد، يبقى لقاء عون وترامب بداية لمسار لا نهايته، لكنه لم يُغلق بعد أبواب الأزمات لأن قيمته الحقيقية ستبقى رهناً بما سينعكس على الواقع اللبناني في المراحل المقبلة.