في ضوء تقاطع معلومات ومعطيات من أكثر من مصدر سياسي وديبلوماسي مطّلع على المفاوضات المستمرة بين الجانبين الأميركي والإيراني، ثمة مؤشرات تتقاطع في اتجاه فشل المفاوضات وعودة الحرب إلى المنطقة.
بدايةً من إيران، ثمة عدم رضى كبير من جانب المرشد مجتبى خامنئي حيال سلوك الوفد الإيراني المفاوض، إلى درجة الإعداد لقرار بعزل سياسي للمسؤولين عن المفاوضات، من رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، إلى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وصولاً إلى وزير الخارجية عباس عراقجي.
أميركياً، اجتمع الرئيس دونالد ترامب بقيادة الجيش ووزير الدفاع للتحضير لخطة ضرب كاملة لإيران، مع تأكيد إجراءات عملية، وليس فقط تصريحات وتغريدات إعلامية.
حتى الآن، عمل الفريق الأميركي المفاوض، المؤلف من كوشنر وويتكوف وجي دي فانس، في إطار وساطة مزدوجة من دولة قطر وباكستان، مع وجود دور عُماني متحفّظ.
لكن الاستراتيجية الأميركية للبيت الأبيض تهدف إلى عزل النظام إيرانياً ودولياً وبناء تحالف دولي، وهذا ما حصل خلال قمة الدول السبع الأخيرة والتحرك الأوروبي الذي انبثق عنها.
وبالتالي، فإن المنطقة أمام مرحلة هدنة لا مرحلة تفاوض منتج؛ مرحلة التقاط أنفاس، كما سبق وذكرنا في تحليلات سابقة عدة. فتوقيت الحسم يأخذ في الاعتبار عدم حصول حرب خلال المونديال ولا خلال الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، بل بعدها، مع احتمال تصعيد كبير وحاسم بعد هذه الفترة.
وفي وقت تتصاعد الأزمة السياسية داخل إيران، تدخّل مجلس الخبراء، وهو الجهاز الذي يعيّن المرشد الأعلى، وبحث في قرار عزل سياسي وممارسات لعزل رموز النظام، من رئيس الجمهورية إلى رئيس البرلمان فوزير الخارجية، ولكن بعد تمرير استحقاقات داخلية، من دفن المرشد رمزياً وتأمين حشد شعبي طائفي، بهدف خلق زخم سياسي داعم لقرار إيراني برفض التفاوض لاحقاً.
لذلك، ثمة في المقابل استراتيجية عسكرية وسياسية جديدة للرئيس دونالد ترامب، وقد تجلّت ملامحها في الاجتماعات المباشرة مع قيادات الجيش ووزير الدفاع لوضع خطة ضاربة وحاسمة ضد إيران. والرسالة إلى القيادة الإيرانية واضحة: إذا استمروا في التصعيد، فستكون هناك ضربة قاطعة وعملية.
فريق التفاوض الأميركي سمح بفرصة للتيار الأكثر تشدداً في إيران كخيار تكتيكي، لاستبداله أو محاولة انتزاع تنازلات منه. لكن لا يمكن إجبار المتشدد على التخلي بسهولة عن مكتسباته، وإدخال عنصر أشد تشدداً في المفاوضات لا يضمن الحصول على تلك التنازلات، لا سيما أن المرشد الابن أكثر تشدداً من المرشد الأب، وهو الآتي على حقد من مقتل والده ويسعى للانتقام.
من هنا، فإن سيرورة المفاوضات ستتعقد وتفشل ما لم تبادر الولايات المتحدة إلى "كسر" بنية القوة الإيرانية في الجولة الرابعة من المفاوضات، لفرض تنازلات حقيقية ونهائية.
في مقابل كل هذا المشهد، يجب ألا يغيب عن بالنا موقف دول المنطقة غير الموحّد. فقطر وباكستان لعبتا دور وساطة لمحاولة وقف التصعيد وحماية مصالح مالية لمنع انهيار النظام الإيراني، خلافاً لدولة الإمارات والكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية. فيما تدافع سلطنة عُمان عن بقاء النظام الإيراني لمصالحها الإقليمية، بينما كانت دول الخليج الأخرى، الإمارات والسعودية والكويت والبحرين، تفضّل زوال النظام.
وبالتالي، فإن هذا الوضع الإقليمي المتذبذب يساهم مساهمة مباشرة في تقوية التعنّت الإيراني حيال متطلبات التفاوض والتنازلات المطلوبة إيرانياً.
وبالعودة إلى الرئيس ترامب وإدارته، فإن جهوده الحالية تنصبّ على بلورة تحالف دولي ضد إيران. فأوروبا بدأت تغيّر منهجها وتطالب بمساءلة إيران وفتح مضيق هرمز ومحاسبتها، وقد نوقش الموضوع في قمة الدول السبع G7، ما من شأنه توفير غطاء دولي لخطوات أميركية لاحقة ضد النظام في إيران.
في الخلاصة، لا تصعيد عسكري خلال المونديال ولا خلال الانتخابات النصفية، لكن هناك احتمال بنشوب حرب أو تصعيد مسلح بعد انتهاء هذين الاستحقاقين.
الحسم سيأتي لاحقاً، وسيكون أقوى وأقسى وأكبر، فلن يكون بالإمكان التوصل إلى تنازلات من النظام الإيراني إلا بعد كسر قوته وجبروته.
ومن هنا نرى أنه لا حل فورياً لقضايا مثل هرمز أو البرنامج النووي من دون حرب أو تغيير جذري في ميزان القوى الإقليمي، وتحديداً الإيراني. أما التكتيكات القطرية - الباكستانية التفاوضية، فقد تجني فوائد متفرقة، لكنها لا تحل المشكلة الشاملة في العمق.
بالانتظار، وبالعودة إلى الوضع الداخلي الإيراني، تبرز الأسئلة البديهية حول ما إذا كان النظام في إيران سيبقى على صورته الحالية، أم سيُقال رئيس الجمهورية في الجولة المقبلة؟ وهل تسعى الولايات المتحدة فعلاً إلى خلق انشقاق داخلي عميق داخل إيران بهدف إضعاف النظام وإسقاطه من الداخل، كبديل أو بموازاة الضربة العسكرية المرتقبة؟