حين تصبح المواعيد السياسية محكومة بأسئلة أكبر من حدود اللقاء نفسه، تتحول الزيارات الرسمية إلى إشارات تحتاج إلى قراءة ما بين سطورها، ووصول رئيس الحكومة نواف سلام إلى عين التينة للقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري يأتي في هذا السياق، كون التواصل بين الرئاستين مستمراً ولم ينقطع، فيما تقترب البلاد من محطة "روما 2" التي تضع المشهد اللبناني أمام امتحان جديد، عنوانه الأول مدى قدرة الدولة على تثبيت وقف العدوان، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، وفتح الطريق أمام عودة الأهالي إلى قراهم ومناطقهم.
وفي حديث لموقع LebTalks يوضح عضو كتلة التنمية والتحرير النائب قاسم هاشم أن زيارة سلام إلى عين التينة ليست حدثاً منفصلاً عن مسار سياسي قائم فالتواصل مستمر، والاتصالات تتواصل في أكثر من اتجاه، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات التي يفترض أن تضع أمام المجتمع الدولي والحضور اللبناني أسئلة واضحة حول جدوى أي مسار تفاوضي جديد إذا كانت إسرائيل تواصل تنفيذ ما تريده على الأرض من دون التزام بما سبق الاتفاق عليه.
ومن هنا يطرح هاشم السؤال الذي يختصر جانباً أساسياً من المشهد، ماذا يبقى من جدوى "روما 2" إذا كان المسار الميداني يسير وفق الرؤية الإسرائيلية وحدها، فيما لم تلتزم إسرائيل، بحسب ما يورده باتفاق الإطار، ولم تتوقف عمليات الجرف والهدم ولم يحصل الانسحاب الذي يفترض أن يفتح الباب أمام عودة الأهالي، في وقت تتحدث فيه القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية عن استمرار وجودها في ما تسميه "المنطقة الأمنية" إلى جانب تنفيذ ما وصفه هاشم بالمناطق التجريبية.
المشهد هنا لا يتصل بتفصيل ميداني منفرد، فالأسئلة التي يحملها إلى الطاولة السياسية تتعلق بمصير التفاهمات نفسها، وما إذا كانت ستبقى مجرد عناوين تفاوضية أم تتحول إلى خطوات ملموسة على الأرض، فبالنسبة إلى هاشم، الأولوية التي يفترض أن تحكم الموقف اللبناني هي وقف العدوان،ثم ضمان الانسحاب وإعادة فتح الطريق أمام الناس للعودة إلى مناطقهم، وهي نقاط يرى أنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ حتى الآن.
وعلى خط مواز، يبدو أن الاتصالات بين المكونات الأساسية للسلطة اللبنانية مستمرة، إذ يؤكد هاشم وجود تواصل مع رئيس الجمهورية جوزاف عون في وقت يقترب فيه موعد زيارة بري إلى بعبدا، حيث من المرتقب أن يجتمع الرجلان، ولا تبدو هناك عوائق أمام حصول اللقاء، على أن يرتبط توقيته ببلورة الصورة السياسية والاتصالات الجارية، والوصول إلى مرحلة تصبح فيها الملفات المطروحة أكثر وضوحاً.
في هذا المشهد، لا تبدو عين التينة مجرد محطة في جدول لقاءات رئيس الحكومة، ولا تبدو بعبدا بعيدة عن حركة الاتصالات التي تسبق روما 2 فكل طريق سياسي في هذه المرحلة يقود إلى السؤال نفسه، ماذا تستطيع الدولة اللبنانية أن تحصل عليه في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية، وكيف يمكن تحويل التعهدات إلى واقع وما الذي سيحمله لبنان إلى الطاولة عندما تبدأ مرحلة جديدة من التفاوض.
وبين حركة اللقاءات واتساع الاتصالات، يبقى الامتحان الحقيقي في مكان آخر، في الجنوب حيث تتحدد قيمة أي تفاهم بما يحدث على الأرض، وفي قدرة لبنان على انتزاع التزام واضح بوقف العدوان والانسحاب وعودة الأهالي، وهنا تحديداً ستظهر نتائج الاتصالات التي تسبق روما 2 فالمسألة لم تعد مرتبطة بصورة اللقاءات وحدها، وإنما بما يمكن أن تنتجه من خطوات عملية، وما إذا كان المجتمع الدولي مستعداً للانتقال من إدارة الأزمة إلى الضغط من أجل تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
ومع اقتراب بري من بعبدا، واستمرار قنوات التواصل مع عين التينة، تبدو الساحة السياسية أمام مرحلة دقيقة، عنوانها محاولة جمع الموقف الداخلي حول الأولويات، بالتزامن مع اختبار المسار الدولي، وفي مقدمة هذه الأولويات وقف العدوان والانسحاب وعودة الأهالي، وهي عناوين ستبقى حاضرة في أي نقاش سياسي أو تفاوضي مقبل، خصوصاً أن نجاح أي مسار لن يقاس بعدد الاجتماعات التي تعقد، وإنما بما إذا كان قادراً على تغيير المعادلة القائمة على الأرض.