في مدينةٍ اعتادت أن تكون خارج أولويات الدولة، يعود معرض رشيد كرامي الدولي ليشكّل مرآة صارخة للفارق بين إدارة الأزمات واتّباع سياسة الهروب من المسؤولية. فالمعرض، الذي يُفترض أن يكون رئةً اقتصادية وثقافية لطرابلس، بات اليوم رمزًا للإقفال، في وقتٍ تعيش فيه المدينة واحدة من أقسى أزماتها الاجتماعية والإنسانية.
المفارقة المؤلمة أن هذا المعرض نفسه، وفي ظروف أخطر بكثير، لم يكن يومًا مغلقًا. عند اندلاع الحرب على لبنان، وفي ذروة النزوح الجماعي من الجنوب والبقاع والمناطق المتضررة، اتُّخذ قرار وطني واضح بفتح أبوابه. حينها، لم تُطرح الذرائع الإدارية، ولا المخاوف التشغيلية، ولا الحسابات السياسية الضيقة. أولوية الإنسان كانت فوق كل اعتبار.
في ذلك الوقت، لم يتوانَ أمين سلام، وزير الاقتصاد والتجارة السابق، عن تحمّل المسؤولية. فُتح معرض رشيد كرامي الدولي لاستقبال النازحين، جُهّزت القاعات، أُمنت الكهرباء والمياه، ووفّرت الظروف الصحية والعلاجية الأساسية، إضافة إلى تنظيم المساعدات الإنسانية، بما يحفظ كرامة آلاف العائلات التي اضطرتها الحرب إلى ترك منازلها.
لم يكن القرار سهلًا، ولا خاليًا من التعقيدات، لكنه كان قرارًا شجاعًا في لحظة وطنية حرجة. الدولة، ولو جزئيًا، قامت بدورها.
اليوم، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، تقف طرابلس أمام حربٍ من نوع آخر: فقر مدقع، بطالة، انهيار خدمات، وتهميش مزمن. ومع ذلك، تُقفل أبواب المعرض بوجه أهل المدينة، وكأن المعاناة الاقتصادية أقل شأنًا من القصف، أو كأن أبناء طرابلس لا يستحقون ما استحقه النازحون بالأمس.
السؤال الذي يطرحه الشارع الطرابلسي بات واضحًا: إذا كان معرض رشيد كرامي قد فُتح في زمن الحرب لإيواء اللبنانيين، فلماذا يُقفل اليوم في زمن الانهيار أمام أهله وأبناء مدينته؟
الأمر لم يعد مسألة صيانة أو إدارة أو ميزانية. هو غياب قرار. غياب إرادة سياسية تعتبر طرابلس جزءًا من الوطن، لا هامشًا له. ففي الوقت الذي تُصرف فيه الأموال على حملات ترويج وتصوير، وتُدفع رواتب مرتفعة لإدارات ومجالس وصاية، يُترك المرفق العام مغلقًا، بلا وظيفة، وبلا رسالة.
إن المقارنة بين الأمس واليوم ليست مقارنة أشخاص، بل مقارنة نهجين:
نهج تحمّل المسؤولية واتخاذ القرار في أصعب الظروف، ونهج الصمت والتقاعس في لحظة إنقاذ ممكنة.