"ممانعة معزولة" تؤكد صوابية اتفاق واشنطن

WASHINGTONE

بين إعلان إسرائيل عن ثلاث قرى سينسحب منها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وانتقال السيطرة فيها إلى الجيش اللبناني، ومسارعة طهران إلى المطالبة بجدول زمني للانسحاب من لبنان عبر اتصال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف برئيس مجلس النواب نبيه بري، تتأكد أهمية اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان مع إسرائيل يوم الجمعة الماضي، 26 حزيران، في مفاوضات واشنطن.

والقرى الثلاث هي الفروان والغندورية وزوطر الغربية الواقعة تحت الاحتلال، وربما تنضم إليها في اللحظة الأخيرة زوطر الشرقية.

وكان بري قد أعلن، بعد يومين من إعلان الاتفاق، أنه لن يُنفذ، وأن مصيره سيكون أسوأ من مصير اتفاق 17 أيار 1983، الذي يدّعي القطب الشيعي أنه هو من أسقطه في "انتفاضة 6 شباط" عام 1984، أي بعد نحو تسعة أشهر من توقيعه بين الوفد اللبناني المفاوض ونظيره الإسرائيلي. إلا أن ما حصل عملياً هو أن رئيس الجمهورية آنذاك، أمين الجميل، رفض التوقيع عليه بعدما طالبت إسرائيل بخروج الجيش السوري من لبنان، وهو أمر لم يكن لبنان قادراً على تنفيذه بطبيعة الحال. وقد أكد ذلك إيلي سالم نفسه، الذي كان يومها وزيراً للخارجية، في آخر مقابلة له على قناة "الجديد".

وقد حاول بري الانتظار، مراهنًا على موقف عربي يعتقد أنه غير متحمس للدور الأميركي، وفي الوقت نفسه حاول اللعب على تناقضات داخلية غير قائمة عملياً، ليتمكن، كعادته، من توظيفها وإظهار نفسه في موقع الوسطي الجامع، محاولاً التوفيق بين "الساحة الشيعية" وموقف السلطة التي يحافظ على دور داخلها من خلال وزرائه في الحكومة وعلاقته المباشرة مع رئيس الجمهورية.

غير أن هذه المرة، يبدو أن الموقف الإيراني قد "حشره"، بعدما تعاملت طهران مع لبنان كورقة في مواجهتها مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم أن وقف إطلاق النار الذي يزايد به الثنائي الشيعي لا يزال هشاً، فيما تسيطر إسرائيل، بعد وقف إطلاق النار، على تلة علي الطاهر، أهم موقع استراتيجي، رغم سعي "الحزب" إلى نفي ذلك.

غير أن الضربة التي تلقاها بري، بعد ساعات قليلة على إعلان رفضه اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، جاءت من دول مجلس التعاون الخليجي، التي اعتبرت أن الاتفاق يشكل خطوة نحو استعادة لبنان سيادته وانسحاب إسرائيل من أراضيه، وأثنت على الجهود اللبنانية والأميركية التي أفضت إلى هذا المسار.

كما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتصل مساء الأحد بالرئيس جوزاف عون، مبدياً استعداده لدعم الاتفاق، وتسهيل تطبيقه، وتوفير الدعم للجيش اللبناني، ليلحق بذلك الموقف الأوروبي الذي يتقدمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أعلن دعمه للاتفاق واستعداد فرنسا، إلى جانب إيطاليا ودول أوروبية أخرى، للمشاركة في إنجاحه.

فأين العزلة التي يبشر بها بري؟

في المقابل، تكمن أهمية موقف رئيس حركة أمل في أنه الوحيد القادر على توفير غطاء شيعي وسياسي لـ"الحزب"، يمكّنه من الادعاء بأن كل الساحة الشيعية، أو معظمها، تؤيد موقفه، والاستمرار في تسويق نفسه كمقاومة ضد الاحتلال، علماً أنه هو من استجلب هذا الاحتلال عندما قرر الثأر لعلي خامنئي، لا لاغتيال زعيمه حسن نصرالله.

أما الحجة الأهم التي تضع "الحزب" في الزاوية، فهي أن الحكومة كانت قد اتخذت، قبل نحو سنة تقريباً، في 5 آب 2025، قراراً بحظر سلاحه وحصره بيد الدولة، منهية بذلك أي وجود مسلح خارج الدولة. فكيف له أن يدّعي اليوم أنه مقاومة فيما يستخدم سلاحاً ميليشيوياً غير شرعي؟

والمفارقة اللافتة أن "الحزب" اعتبر، في أول رد فعل، أن الحكومة خائنة لتوقيعها على هذا الاتفاق الإطار، فكيف يبقى وزراؤه إذاً في الحكومة؟

لا شك أن الاتفاق، رغم أنه إطار عام يتضمن نقاطاً عريضة، أدى عملياً إلى سقوط آخر أوراق إيران في المنطقة، إذ إن لبنان، بسلطته الشرعية، ممثلة برئيس الجمهورية المنتخب والحكومة الحائزة على ثقة البرلمان، بما فيها ثقة نواب "الحزب"، هو الذي يقرر ما يريد وما لا يريد، بعدما انتهت عهود الوصاية، مرة سورية، ومرة إيرانية، ومرة...

وهو الورقة الأقوى والأهم، نتيجة موقعه الجيوستراتيجي في قلب المثلث السوري – اللبناني – الفلسطيني، الذي كانت طهران تدير من خلاله نفوذها، فيما يرفض لبنان اليوم، بموجب هذا الاتفاق، أن يكون ورقة في يد أي طرف.

واستعراضاً لبعض بنود الاتفاق، فإن السيادة الكاملة، وحرية تحرك الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية، والانسحاب الإسرائيلي، ولو بصورة متدرجة، تشكل ثوابت أساسية فيه.

كما أن التزام الدولة باحتكار القوة، باعتباره شرطاً للسيادة، الوارد في البند الرابع من الاتفاق، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، ينسجمان دستورياً مع اتفاق الطائف، والقرارين 1559 و1701، والبيان الوزاري، إلا أن الإشكالية تكمن في غياب الإجماع الداخلي ورفض "الحزب" لهذا المسار، الذي غالباً ما يوافق عليه في البداية ثم ينقلب عليه لاحقاً.

أما حصرية الدولة في حيازة السلاح، وفي قرار الحرب والسلم، الواردة في البند السادس، فهي من أكثر البنود انسجاماً مع الدستور، ولا سيما المادة 65، لأنها تعيد تثبيت قاعدة دستورية في مواجهة ازدواجية القرار.

أما البند الحادي عشر، الذي ينص على منع تدفق الأموال إلى الجماعات المسلحة غير الحكومية، فيفرض موجبات تشريعية وتنفيذية، إضافة إلى رقابة مصرفية داخلية، بما يمسّ بالبنية الاقتصادية والاجتماعية التي يقوم عليها "الحزب".

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: