في تحوّل يُعدّ من الأبرز منذ اندلاع النزاع في شمال شرق سوريا، جاء الاتفاق المُعلن بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي ليشكّل نقطة فاصلة في مسار الصراع المعقّد على ضفتي الفرات. اتفاق يتجاوز كونه ترتيبًا ميدانيًا لوقف إطلاق النار، ليؤسّس لمرحلة سياسية وأمنية جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ، وتطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الإدارة الذاتية.
في هذا السياق، أشار رئيس المكتب السياسي لـ"منتدى الارز" الدكتور محسن المكاري إلى أنّ "اتفاق دمشق – قسد يشكّل، بحكم الأمر الواقع، نهاية فعلية لمشروع الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا". وأوضح أنّ اتفاق وقف إطلاق النار أو "الدمج" المُعلن في كانون الثاني 2026 تضمّن انسحاب قوات سوريا الديموقراطية من مدن رئيسية كالرقة ودير الزور، ونقل السيطرة الإدارية والعسكرية والاقتصادية، بما في ذلك حقول النفط والمعابر، إلى الدولة السورية، وهو ما يرى فيه المحللين إنهاءً عمليًا لنموذج "الإدارة الذاتية" الذي تشكّل خلال سنوات الحرب.

ورغم اعتماد خطاب "الدمج"، يرى المكاري في حديث لـLebTalks أنّ هذا المسار لا يرقى إلى استقلال ذاتي حقيقي، في ظل إصرار دمشق على حلّ قسد ككيان عسكري – سياسي مستقل، ودمج عناصرها بصورة فردية ضمن مؤسسات الدولة، مع استمرار الخلاف حول حدود اللامركزية الإدارية، ولا سيّما في المناطق ذات الغالبية الكردية. في المقابل، تبدي قسد تحفّظًا على التخلّي الكامل عن مؤسساتها، بما يعكس فجوة واضحة بين الاعتراف الرمزي والسلطة الفعلية.
وعليه، تمثّل الاتفاقية نهاية فعلية لمشروع الإدارة الذاتية بصيغته السابقة تحديدًا، مع ترك هامش محدود للامركزية الإدارية تحت سيادة الدولة السورية، لا حكمًا ذاتيًا حقيقيًا، وذلك إلى حين استكمال المرحلة الراهنة من التفاوض حول شكل النظام السوري المستقبلي، تمهيدًا للانتقال لاحقًا إلى مرحلة "التثبيت".
وعن انعكاس دمج مؤسسات الإدارة الذاتية على الواقع الإداري والخدماتي في المنطقة، ولا سيّما في لبنان ودور حزب الله، قال المكاري: "لا يمكن النظر إلى قرار دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في سوريا كحدث إداري عابر، بل كتحوّل يحمل في طيّاته ارتدادات تتجاوز الجغرافيا السورية لتطال الإقليم بأسره، وفي مقدّمته لبنان. فحين تُعاد صياغة الإدارة في الداخل السوري، يُعاد معها رسم توازنات النفوذ وحدود الدولة ومعنى السلطة والخدمة العامة".
أضاف: "في جوهر هذا الدمج تكمن عودة بطيئة إلى مركزية الدولة بعد سنوات من اللامركزية التي فرضتها الحرب والفراغ. مؤسسات نشأت لإدارة التعليم والخدمات والبلديات والأمن المحلي تجد نفسها اليوم أمام خيار الاندماج أو الذوبان. غير أنّ هذه العودة لا تعني بالضرورة استعادة الدولة لدورها الطبيعي، بقدر ما تعكس محاولة لإعادة ضبط السيطرة وإعادة إنتاج النظام الإداري تحت مظلّة جديدة".
وتابع: يترك هذا التحوّل صداه واضحًا في لبنان، حيث لم تكن الحدود يومًا فاصلة بين الأزمتين. فأي استقرار إداري نسبي في الداخل السوري ينعكس مباشرة على النقاش اللبناني حول ملف اللاجئين، والضغط المتزايد على الخدمات العامة والبنية التحتية المتداعية. إلا أنّ هذا الاستقرار الشكلي، إن لم يُدعَّم بإصلاح فعلي وتنمية محلية، قد يتحوّل إلى عامل إضافي لتأجيل العودة، وإبقاء لبنان رهينة عبء يفوق قدرته على الاحتمال.
وعلى المستوى الاقتصادي والخدماتي، أوضح المكاري أنّ الدمج سينعكس على حركة المعابر، الرسمية وغير الرسمية، التي شكّلت خلال السنوات الماضية شرايين حياة موازية للدولة. فضبط هذه المساحات قد يحدّ من الفوضى، لكنه في الوقت ذاته يهدّد شبكات مصالح عابرة للحدود اعتادت العمل خارج الرقابة، يمتدّ بعضها إلى الداخل اللبناني، متداخلاً مع أزماته المالية والاجتماعية.
في هذا السياق، لفت المكاري إلى أنّ حزب الله يبرز كفاعل لا يمكن فصله عن هذه التحوّلات. فدمج الإدارة الذاتية يعيد توسيع هامش الدولة السورية، ومعه هامش نفوذ حلفائها. غير أنّ هذا النفوذ، وإن بدا أكثر رسمية، قد يفقد جزءًا من مرونته السابقة، ما قد يدفع إلى تعزيز القنوات غير الرسمية، ولا سيّما في الساحة اللبنانية، حيث تختلط الدولة باللا دولة، والخدمة بالولاء.
أما لبنان، فيراقب التجربة السورية بقلق صامت. فإن نجح الدمج، قد يُستخدم كنموذج يبرّر تقوية الدولة شكليًا مع الإبقاء على النفوذ الموازي. وإن فشل، سيُقدَّم دليلًا جديدًا على عجز الدولة، وعلى تفوّق البُنى غير الرسمية في إدارة الأزمات، وهو خطاب لطالما وجد صداه في الواقع اللبناني.
وهكذا، يبقى السؤال معلّقًا بين دمشق وبيروت: هل يمهّد دمج الإدارة الذاتية لتسوية مستدامة تعيد الاعتبار للدولة والخدمة العامة؟ أم أنّه مجرّد هدنة إدارية مؤجّلة تُخفي تحتها صراعات نفوذ قابلة للاشتعال في أي لحظة؟ الجواب لن يُكتب في المراسيم وحدها، بل في قدرة الدولة، هنا وهناك، على أن تكون أكثر من غطاء وأكثر من اسم.
أضاف: تتأرجح اتفاقية دمشق – قسد بين عوامل ترجّح استدامتها وأخرى تنذر بهشاشتها. فمن جهة، يلتقي الطرفان عند مصالح مرحلية واضحة: دمشق تسعى إلى استعادة وحدة الأراضي والسيادة، فيما تحاول قسد تجنّب مواجهة عسكرية واسعة وحماية مجتمعاتها. ويوازي ذلك ضغط إقليمي ودولي، ولا سيّما من الولايات المتحدة وتركيا وأطراف أخرى، باتجاه تثبيت التهدئة ومنع الانزلاق مجددًا إلى الصدام.
في المقابل، أردف أنّ عناصر هشاشة بنيوية تبرز، في مقدّمها ثغرات التنفيذ المرتبطة بملفات دمج القوات، وحدود اللامركزية، وشكل الحكم المحلي، التي لا تزال بلا حلول نهائية، إضافة إلى احتكاكات ميدانية متفرقة سُجّلت عقب الاتفاق، خصوصًا في محيط حلب، بما يشير إلى قابلية تجدّد العنف. كما أنّ أي تبدّل في سياسات القوى الخارجية المنخرطة قد يقوّض التوازن القائم.
وبناءً عليه، تبدو الاتفاقية حتى الآن أقرب إلى هدنة تفاوضية براغماتية تفتح المجال أمام دمج تدريجي للمؤسسات، من دون أن ترقى بعد إلى تسوية سياسية نهائية ومستدامة أو مرحلة "تثبيت". ويبقى نجاحها مرهونًا بحسن التنفيذ العملي، وبناء الثقة المتبادلة، وضبط التدخّلات الخارجية.
في المحصّلة، يمثّل اتفاق دمشق – قسد نهاية عملية لمشروع الإدارة الذاتية المستقلة، مع إدماجها ضمن الدولة السورية بهوامش لامركزية محدودة، ما سيقود إلى إعادة تنظيم الإدارة والخدمات داخل سوريا، ويرتّب تحديات انتقالية داخلية، إلى جانب انعكاسات سياسية وأمنية غير مباشرة على لبنان وحزب الله. وعليه، لا يشكّل الاتفاق نهاية للصراع بقدر ما يعكس مرحلة انتقالية هشّة، قابلة للتحوّل إمّا إلى تسوية مستدامة أو إلى انفجار جديد، تبعًا لمسار التنفيذ وتبدّل التوازنات الإقليمية.