في بلدٍ اعتاد للأسف أن يُذكر في نشرات الأخبار السياسية والأزمات، يخرج اسم لبنان من قلب الصحراء ليُدوَّن هذه المرّة على واحدة من أخطر وأشهر ساحات التحدّيات الرياضية في العالم: رالي داكار، حيث تُختبر الحدود القصوى للإنسان والآلة معاً.
حمل السائق رفيق عيد العلم اللبناني في النسخة الـ48 من دكار، لا كمُشارك عابر، بل كمُنافس حقيقي، مُثبتًا أن لبنان قادر، على الرغم من كل الظروف، على الحضور في المحافل العالمية الكبرى. من بين آلاف الكيلومترات، والرمال القاتلة، والمخاطر اليومية، تحوّلت مشاركة عيد إلى رسالة رياضية تتجاوز النتائج، عنوانها أن لبنان لا يزال حاضراً ليصنع الفرق.
وفي هذا السياق، أشار السائق والمُنافس اللبناني الرسمي الوحيد برالي داكار رفيق عيد في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أن "هدفي كان هذا العام أن أتنافس في رالي داكار وليس المشاركة فقط لتجاوز خط النهاية"، مُعتبراً أن "النتيجة التي حقّقتها جيّدة إذ كان هدفنا إنهاء الرالي ضمن المراكز الخمسة الأولى في فئة المُخضرمين، بينما على الصعيد العام أنهيتُ في المركز الـ34".
ولفت عيد إلى أن "خلال مراحل الرالي، تمكّن من إنهاء ثلاث مراحل في المركز الأول وستّ مراحل في المركز الثاني ضمن فئة المُخضرمين، كما استطاع في مرحلة معيّنة أن يحلّ في المركز الـ27 على الترتيب العامّ".
وكشف أيضاً عن أنّنا "واجهنا بعض المشاكل التقنية، وتركّزت تحديداً على نظام التعليق المخصّص للمسارات المليئة بالصخور، وذلك بسبب عدم تمكّننا من التدريب على قيادة الدراجة إلا لثلاثة أيام قبل انطلاق الرالي".
وعن نسخة 2026، قال عيد إن "نسخة رالي داكار لعام 2026 هي الأخطر والأصعب في تاريخ هذا الحدث"، مشدّداً على أن "المرحلة العاشرة كانت الأكثر خطورة عليّ، إذ قدنا على الرّمل الناعم (Soft Sand)، ممّا زاد من صعوبة القيادة بالنسبة إليّ، نظراً لإعدادات دراجتي التي لم تكن مُناسبة لطبيعة هذه الأرض".
أضاف: "خلال هذا اليوم، وجدتُ نفسي في مراكز مُتأخّرة، الأمر الذي أجبرني على التخفيف من سرعتي، وشهدتُ في المرحلة العاشرة أيضاً مشكلة إضافية، تمثّلت بتعرّضي لعقوبة بعد تجاوز أحد الـWaypoint، ممّا أدّى إلى تراجعي إلى المركز الثالث".
وتطرّق عيد أيضًا إلى مسألة تمثيله لبنان قائلاً: "أنا المُمثّل الرّسمي الوحيد للبنان في رالي داكار، إذ شارك سائق لبناني آخر في الحدث هو إيهاب الحكيم، إلّا أنه مثّل الاتحاد السوري".
ورأى عيد أن "تمثيل لبنان يشكّل في هذا المحفل العالمي مصدر فخر كبير بالنسبة إليّ، كما أن وضع اسم لبنان على الروزنامة الدولية للراليات يُعدّ أمراً بالغ الأهمية"، مؤكّداً: "أنا اللبناني الوحيد الذي شارك وأنهى رالي داكار، إذ لم يتمكّن الحكيم من إنهاء الرالي هذا العامّ، ولا في النسخة الماضية".
وأعلن عيد عن أن "على صعيد فئة المخضرمين، أحتلّ المركز الأوّل بآسيا في رالي داكار، وهي نتيجة أعتبرها مشرّفة للبنان".
وتابع: "لديّ Moto Cross Academy في لبنان، تُعنى بتعليم قيادة الـ Off Road على متن الدراجات النارية، سواء للمشاركة في الراليات أو في مختلف الأحداث الرياضية الأخرى"، مضيفاً أننا "عقدنا منتدىً صحافياً بهدف شرح وعرض المُستلزمات الضرورية لخوض تجربة رالي داكار أمام المُهتمّين".
وأردف عيد أن "التحدّي الأساسي في لبنان يتمثّل بعدم القدرة على التدرّب لمسافات طويلة تقارب الـ400 كلم، وذلك بسبب طبيعة تضاريسه ومساحته الجُغرافية وغياب البيئة الصحراوية، موضحاً أن "أي مشارك يطمح إلى خوض غمار رالي داكار لا بدّ أن يجمع بين التدرّب داخل لبنان وخارجه".
وكشف عن أن "على الصعيد المالي، فإن المشاركة في هذا الرالي تتطلّب مبلغاً يتجاوز الـ150 ألف يورو، ما يجعل تأمين راعٍ أمراً ضرورياً".
ووسط حديثه وصف عيد الحدث بالقول: "رالي داكار 2026 هو الأخطر والأصعب في تاريخه، بعدما تمّ تسجيل أكبر عدد من الحوادث هذا العام، إضافة إلى أنّ المسار كان مزيجاً مُعقّداً بين الرمل والحصى".
كما أوضح أن "خلال المراحل، كنّا نسلك مسارات تتجاوز فيها سرعتنا الـ157 كلم في الساعة، قبل أن ننتقل فجأة إلى مقاطع مليئة بالحصى، ما أدّى إلى وقوع حوادث وحالات انسحاب عدّة".
وختم عيد حديثه، مؤكّداً أن "قراري سيتحدّد بالمشاركة في رالي داكار 2027 خلال شهري أيّار وحزيران 2026، وذلك بالتنسيق مع فريقي Honda Rs Moto Italy، وبناءً على ترتيبي في بطولة العالم للـCross Country".
في رالي داكار، لا تُقاس القيمة بعدد المراكز فقط، بل بالقدرة على الوصول والصمود. ما فعله رفيق عيد لم يكن مجرّد مشاركة، بل كان فعل حضور في زمن الغياب، وإثباتاً أن لبنان حين يمتلك الإرادة، قادر على أن يكون لاعباً أساسياً.
من قلب الصحراء، كتب عيد فصلاً رياضياً لبنانياً نادراً، واضعًا اسم البلد على خارطة لا تُعرف إلا بالأقوى. وإلى حين معرفة احتنالية مشاركته في داكار 2027، يبقى من المؤكّد أن لبنان، عبر رفيق عيد، أنها الرالي ووصل حيث لا يصل إلا من يجرؤ.