موقع LebTalks يكشف بالأرقام: خسائر اقتصادية فادحة في الجنوب

jnoub

لم تعد خسائر الجنوب اللبناني تُقاس بعدد المباني المدمّرة أو المساحات المحروقة فقط، بل باتت تُقاس بحجم الحياة التي توقفت. قرى كاملة فقدت جزءاً كبيراً من نبضها الاقتصادي، مؤسسات أغلقت أبوابها، مزارعون حُرموا من أراضيهم، وعائلات وجدت نفسها فجأة بلا منزل أو عمل أو مصدر دخل. وبين أرقام الدمار الكبيرة والوقائع اليومية القاسية، تتكشف صورة منطقة دفعت أثماناً باهظة للحرب، فيما لا تزال تنتظر فرصة العودة وإعادة بناء ما تهدّم من حجارة وأرزاق وأحلام.

في هذا السياق، أشار رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في صيدا والجنوب محمد صالح في حديث لـLebTalks إلى أن التقديرات الأولية تشير إلى أن نحو 50% من المعامل والمؤسسات الصناعية في الجنوب أقفلت أبوابها، فيما تعرّض نحو 30% منها للدمار الكامل.

وأوضح أنه لا يزال من الصعب وضع إحصاء نهائي ودقيق حتى الآن، نظراً إلى عدم القدرة على الوصول إلى كل المناطق الجنوبية بسبب الأوضاع الأمنية المستمرة.

ولفت صالح إلى أن معظم المؤسسات والمعامل التي تضررت خلال حرب العام 2024 كانت أعادت ترميم أضرارها واستأنفت نشاطها، لكنها لم تتمكن حتى من تعويض جزء من خسائرها قبل أن تعود الحرب مجدداً وتتسبب بدمار جديد أصابها بشكل مباشر.

أضاف في حديث لموقعنا أنه حتى الساعة لم تتلقَّ هذه المؤسسات أي عروض مساعدة فعلية، كما أن وزارتي الصناعة والزراعة لم تبديا أي استعداد عملي للدعم، ليس بسبب غياب الرغبة، بل نتيجة محدودية الإمكانات المتاحة لديهما في الظروف الحالية.

وأشار إلى أن العاملين في هذه المؤسسات أصبحوا بمعظمهم من دون وظائف، ويحاولون إيجاد أعمال موقتة في المناطق التي نزحوا إليها، ولو بأجور متواضعة، فقط لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

"عم إدفع 3 إيجارات وأنا بلا شغل"

وتختصر قصة أحد أصحاب محال الألمنيوم في صور جانباً من هذه المعاناة، إذ يقول في حديث لموقعنا: "كنت عايش من شغلي بمحلي للألمنيوم بصور، اليوم تهجّرنا، واستأجرت بيت ببيروت حتى أقدر أمّن سقف لعيلتي. صرت إدفع إيجار البيت اللي ساكن فيه، وإيجار بيتي اللي تاركه بصور، وإيجار المحل بالجنوب، وعندي مصاريف البيت الأساسية، من دون ما يكون في شغل فعلي."

أضاف بغصة: "أنا عندي عيلة ومسؤوليات، وكل يوم عم حاول لاقي أي شغل موقت بس لنقدر نكمّل. المشكلة مش بس إنو تهجّرنا، المشكلة إنو الحياة كلها توقفت، والمصاريف بعدها ماشية وكأنو ما صار شي."

القطاع الزراعي

وفي ما يتعلق بالقطاع الزراعي، أوضح صالح أن وزارة الزراعة زارت عدداً من الأراضي المتضررة، إلا أنها لم تتمكن من تقديم أي مساعدة فعلية حتى الآن بسبب القيود المالية والأمنية.

وفي المقابل، كشف عن أن التحضير مستمر لمرحلة ما بعد الحرب من خلال وضع خطط لمساعدة المتضررين على العودة إلى أراضيهم واستئناف أعمالهم الزراعية، لا سيما في قطاع الزيتون ومشتقاته، بهدف إعادة تحريك الدورة الزراعية والإنتاجية في المنطقة.

وأكد أن بساتين الحمضيات والموز تُعد من أكثر القطاعات تضرراً، إذ تعرض عدد كبير منها للجفاف والإهمال، ما يجعل إعادة تأهيلها عملية مكلفة تحتاج إلى دعم كبير.

كما أشار إلى أن 22 معملاً للأجبان والألبان تعرضت للدمار أو توقفت عن العمل بالكامل، وهي تحتاج إلى إعادة بناء وترميم قبل أن تتمكن من استئناف نشاطها.

"خسرت مستقبل ولادي مش بس الموسم"

وتظهر معاناة المزارعين بوضوح في شهادة أحد أبناء الجنوب الذي كان يعتاش من أرضه المزروعة بالحمضيات، حيث يقول لـLebTalks: "آخر مرة شفت أرضي كانت قبل ما نترك الضيعة. من وقتها ما قدرت ارجع. كل اللي عم يوصلني إنو الأشجار يبست وأجزاء كبيرة من الأرض تضررت."

ويتابع: "أنا مش بس خسرت الموسم، أنا خسرت مصدر رزقي كله، الأرض كانت شغلي وحياتي ومستقبل أولادي."

إمكانات محدودة وحاجة إلى دعم أكبر

وختم صالح بالتأكيد أن غرفة التجارة والصناعة تستطيع تقديم بعض أشكال الدعم وتأمين مساعدات محدودة للمؤسسات المتضررة، إلا أن المعامل الكبيرة التي تعرضت لدمار واسع تتجاوز إمكانات الغرفة، وتحتاج إلى تدخل مباشر من الدولة والجهات المانحة لإعادتها إلى العمل.

من جهته، لفت الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين في حديث لموقعنا إلى أن القطاعين التربوي والاستشفائي لم يكونا بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ تضرر 17 مستشفى، فيما أصيبت أكثر من 150 مدرسة بأضرار متفاوتة تراوحت بين الجزئية والكاملة.

وأشار إلى أن الأضرار لم تقتصر على هذه القطاعات، بل طالت أيضاً العجلة الاقتصادية والإنتاجية، حيث تضررت أو دُمّرت أكثر من 1800 مؤسسة ومحل تجاري ومصنع، ما انعكس بشكل مباشر على الحركة الاقتصادية وفرص العمل في المناطق المتضررة.

"مستحي ابقى حمّل قرايبي فوق طاقتهم"

وتنعكس هذه الخسائر مباشرة على حياة آلاف العاملين الذين فقدوا مصادر دخلهم، ومن بينهم موظف كان يعمل في إحدى المؤسسات الخاصة في الجنوب منذ أكثر من عشر سنوات. مع اندلاع الحرب، تهجّر مع عائلته تاركاً منزله وعمله خلفه، على أمل أن تكون الأزمة موقتة.

لكن بعد أسابيع، تلقى الخبر الأصعب: المؤسسة التي كان يعمل فيها تعرضت لدمار كامل وتوقفت عن العمل نهائياً. يروي لـLebTalks: "بيوم واحد خسرت شغلي. المؤسسة اللي كنت اعتبرها مصدر أماني ما بقا إلها وجود. ومن وقتها ما قدرت لاقي شغل ثابت."

اليوم يعيش مع زوجته وأولاده في منزل أحد أقاربه، بعدما لم يعد قادراً على تحمل أعباء استئجار منزل جديد، ويضيف: "مستحي ابقى حمّل قرايبي فوق طاقتهم، بس بنفس الوقت ما عندي القدرة استأجر بيت ولا عندي شغل ثابت. كل يوم عم فتّش على فرصة، أي فرصة."

 "الانسحاب الإسرائيلي والقدرة على العودة إلى الأرض أولوية"

وفي سياق الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب، أشار عضو كتلة التنمية والتحرير النائب ميشال موسى إلى أن لبنان، وخصوصاً الجنوب، مرّ خلال السنوات الماضية بمحطات احتلال عدة رافقها تهجير للسكان، إلا أن العودة كانت دائماً سريعة، معرباً عن أمله بألا تطول الأمور هذه المرة أيضاً، ومشدداً على أن عامل الوقت أساسي في هذا الموضوع.

وأكد موسى في حديث لـLebTalks أنه يدرك مدى تمسّك أبناء الجنوب بأرضهم، لأن الأرض بالنسبة إليهم ليست مجرد سكن أو مصدر رزق، بل هي تاريخ وتراث وهوية لكل بلدة وقرية.

أضاف أن النية بالعودة موجودة لدى الأهالي، إلا أن ذلك يتطلب أيضاً توافر الإمكانيات اللازمة، مشيراً إلى أنه فور حصول الانسحاب الإسرائيلي، يفترض أن تبدأ عودة المواطنين إلى منازلهم وأن تنطلق في موازاة ذلك عملية إعادة الإعمار.

ولفت إلى أنه، من حيث المبدأ، يفترض أن يتضمن أي اتفاق ضمانات واضحة، وأن تتوافر مساعدات دولية مخصصة لإعادة الإعمار.

وشدد على أن الانسحاب الإسرائيلي والقدرة على العودة إلى الأرض يشكلان الأولوية الأساسية، داعياً جميع المعنيين، وخصوصاً الدولة اللبنانية، إلى توجيه نداء واضح لعودة الجنوبيين إلى قراهم فور توافر الظروف المناسبة.

وختم بالتشديد على ضرورة التمسك بكل لبنان، مذكّراً بأن البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته للبنان شدد على أهمية هذا التنوع الذي يتميز به البلد، معتبراً أن لبنان لا يزال يشكل واحدة من الواحات القليلة المتبقية في العالم بتعدديته وغناه الثقافي والإنساني.

وراء كل معمل أقفل أبوابه، وظيفة ضاعت، ووراء كل أرض جفّت، عائلة فقدت مصدر رزقها، ووراء كل منزل هُجر، قصة انتظار طويلة للعودة. لذلك، لا تختصر معاناة الجنوب بالأرقام والإحصاءات مهما بلغت قسوتها، لأن الخسارة الحقيقية تكمن في حياة آلاف اللبنانيين الذين لا يزالوا يدفعون ثمن الحرب يومياً.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: