في الآونة الأخيرة، يتصرّف نعيم قاسم كشخص اكتشف فجأةً شغفه بالكاميرا، أو كشخص قرّر أن يملأ الفراغ السياسي بخطابات أطول من قدرتها على الإقناع. إطلالات مُتتالية، نبرة غير مسبوقة على قول ما كان يُغلّف سابقاً بالشعارات والرموز، لم يعد هناك حرص على التوازن ولا محاولة لتجميل الصورة اللبنانية لحزب الله، بل اندفاع واضح نحو إعلان الولاء كما هو، عارياً من أي حساب وطني.
آخر خطاب لم يكن زلّة لسان ولا اجتهاداً عقائدياً، بل كان وثيقة سياسية كاملة، تُسقِط كل ادّعاء بالاستقلالية والحياد، وتحوّل قاسم من متحدّث باسم حزب إلى عميل لمشروع خارجي، يوزّع الشرعية، ويحتكر الدم، ويحدّد من يقرّر ومن يُنفّذ.
الرجل نفسه الذي أشهر سابقاً تهمة "العميل" كسلاح تخوين في وجه خصمه وزير الخارجية يوسف رجّي، جاء خطابه أمس ليُسقِط السلاح من يده، ويكشف عن أن المشكلة لم تكن يوماً في من يخالفه الرأي، بل في من يتنازل علناً عن القرار الوطني، ويضع الدم والسياسة والسيادة تحت إمرة إيران.
منذ الجملة الأولى أمس، قرّر نعيم قاسم أن يختصر الطريق على اللبنانيين. كلمته لم تكن طبعاً عن لبنان، ولا عن أزماته، ولا عن شعبه، بل "تضامناً ونصرةً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وللقائد المُلهم الإمام الخامنئي دام ظله".
هكذا، وبلا مواربة، يُرفع العلم الحقيقي للخطاب لنيّة الحزب، ويُترك لبنان في الهامش، كأنه تفصيل جغرافي زائد. ويتابع قاسم بالإعلان بكلّ صراحة: "دماؤنا لا نستطيع أن نصرفها من دون إذن شرعي". جملة تختصر كل شيء.
الدمّ ليس ملك أصحابه والقرار ليس لبنانياً وعلى ما يبدو أن السلاح لم يُحشَد للدفاع عن الوطن، بل لحماية إيران، والحياة نفسها تخضع لتوقيع آتٍ من خارج الحدود. نحن هنا لا نتحدث عن حزب سياسي، بل عن منظومة تعتبر الدم مورداً لا يُستخدم إلا بموافقة "الولي"، وكأنّ اللبنانيين حساب مصرفي يُفتح عند الحاجة ويُجمّد عند السؤال.
وعندما يُحرَج الخطاب بسؤال لبنان، يأتي الجواب العبقري: "نحن نتصرّف بطريقة وطنية.. ببركة ارتباطنا بالولي الفقيه". الوطنية، بحسب هذا المنطق، تُصنع في الخارج ثم تُستورد، والسيادة لا تعني الاستقلال، وكلما ابتعد القرار عن بيروت، ازداد "أخلاقياً" و"تربوياً".
وفجأة، يتحوّل خطاب التطبيل إلى بيان أمني، وتحديداً عندما قال قاسم: "التهديد بخامنئي هو تهديد لعشرات الملايين، ولا يمكن السكوت عنه، ولدينا كل الصلاحية أن نفعل ما نراه مُناسباً". شيخ نعيم يتصرّف وكأنّ إيران تقع بين بئر العبد وبئر حسن، وكأن لبنان مُجرّد خط تماس متقدّم في الدفاع عن طهران.
ولا يظهر هو وحزبه أي إدراك للتحوّلات العميقة التي فرضتها أحداث السابع من تشرين الأوّل حتى اليوم، ولا لأي تغيّر في موازين القوى أو المزاجين الإقليمي والدولي. الحزب، على ما يبدو، لا يزال يتصرّف بعقلية ما قبل الصدمة، ويُهدّد باسم "الصلاحية المطلقة"، فيما الواقع من حوله تغيّر، والخرائط لم تعد تُرسم بالشعارات ولا برفع الأصبع.
أمّا المديح المطوّل للجمهورية الإسلامية، فهو نشرة علاقات عامة مُكرّرة: 47 سنة عقوبات؟ إنجاز. حرب مُدمّرة؟ انتصار. حصار اقتصادي؟ أخلاق وثقافة. شيخ نعيم، أخذتم البلد إلى المهوار تحت عنوان "حرب إسناد غزة"، واليوم تريدون أخذ اللبنانيين إلى فصل جديد من المُغامرة نفسها، ولكن هذه المرّة تحت شعار "مُساندة طهران". "شو رأيك تأخذنا بحلمك شوي"؟
لا قرار لبناني مُستقلّ، لا دمّ يُراق باسم لبنان، ولا مُقاومة تُدار من الداخل. هناك فقط وليّ يُقرّر، حزب ينفّذ، وبلد يُستخدم كساحة اختبار لأطماع خارجية. وعندما يُطلب من الجمهور أن يصرخ "لبيك يا خامنئي"، فالأمر لم يعد شعاراً أو تعبيراً رمزياً، بل اعتراف علنيّ بأن القضية لم تعد أرضاً ولا دولة، بل شخص واحد.
وهنا، بالضبط، تنتهي كل محاولات التجميل، وتنكشف الحقيقة: كل ما يُسمّى "مقاومة وطنية"، وكل ما يُسوّق من شعارات أخلاقية ووطنية، لم يكن سوى واجهة، خلفها قرار مركزي، ولاء مُطلق، وتحويل للسيادة اللبنانية إلى أداة تنفيذية للمشروع الإيراني.
فيا شيخ نعيم، يمكن عندك الأمر "مش فارقة معكن"، لكن بالنسبة إلينا الأمر حياة أو موت للسيادة اللبنانية. هناك من يسعى لمصلحة لبنان أوّلاً، ويمشي بشعار "لبنان أوّلاً". لا قرارات وطنية تُستبدل بأوامر مشروع إقليمي. لبنان ليس ساحة تجارب.
لا أحد يمنعك من الدفاع عن إيران، ولكن إذا كان هذا خيارك، فاقتطع "One Way Ticket" إلى طهران و"فك عن لبنان"!
أمّا فيما يخصّ الخامنئي، فليحاول أن يضبط الاحتجاجات وتهدئة الشارع في إيران أوّلاً، قبل الاصرار على التدخل في لبنان.