في لبنان، لا تحتاج الذاكرة الجماعية إلى كثير من الوقت كي تتحوّل إلى رواية سياسية مغلقة. فبينما يحتفل حزب الله بـ"عيد المقاومة والتحرير"، يعود السؤال اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: أيُّ تحريرٍ يُحتفل به فيما لا تزال أجزاء من الجنوب اللبناني تحت الاحتلال الإسرائيلي العام 2026؟
وهل يُقاس التحرير بتاريخٍ مضى، أم بواقعٍ سياديّ قائم فعلاً؟ بين مشهد الاحتفالات ومشهد القرى الجنوبية المعلّقة بين الحرب والاحتلال، تبدو المناسبة هذا العام أقرب إلى امتحانٍ للرواية نفسها، لا إلى احتفالٍ بانتصارٍ مكتمل.
في السياق، أشار الدكتور هادي مراد في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أن "حزب الله يحتفل فعلياً بذكرى، ونحن نعيش في الكثير من المناسبات أسرى لأفكار معيّنة"، موضحاً أن "على سبيل المثال، نحن نحتفل بعيد الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، في المقابل نحن كنا منتدبين من وصايات عدة سواء كانت سورية، إيرانية، أو فلسطينية".
أضاف: "بالتالي يصبح الاحتفال بهذا اليوم هو نوعاً من العرف وليس نوع من تصدير وترجمة الحقيقة على الأرض".
وتابع مراد: "لذلك الاحتفال بهذا اليوم هو احتفال بذكرى قد مرّت، وربما لن تعود قريباً إذا ما استطعنا أن نضع الأمور اللبنانية في نصابها السيادي الصحيح".
واعتبر مراد "أننا لم نتحرّر العام 2000. بل أعتقد أننا انتقلنا من احتلال إلى آخر. وبالتالي، لا يمكن لمحتل بثقافة وأيديولوجية ما أن يحرّرك من عدو إلى دولة حرّة"، مشيراً إلى أن "المحتل يحرّرك من احتلال إلى احتلاله. لذلك أرى أن حزب الله حرّر فقط بالشكل، لكن بالمضمون، هو استبدل احتلال بآخر".
كما اعتبر أن "حزب الله يهدف إلى استجلاب الاحتلالات لأنه لا يعمل وفق Agenda لبنانية. أمّا الـAgenda الخارجية التي ينصاع إليها، فهي التي تقوده إلى أن يقوم بالاحتلالات ويستدعي ويستجلب احتلال إسرائيلي إليه".
وشدّد مراد على أن "التحرير الحقيقي اليوم يكمن في نجاح المسار الذي تؤول إليه المفاوضات، على أن تكون دولتنا هي الجهة الأولى والوحيدة على طاولة التفاوض. وبالتالي، يشكّل ذلك ضربةً للمشروعَين الإسرائيلي والإيراني معاً، حين تصبح شرعية الدولة أقوى من أي نفوذٍ إيراني داخلها".
أضاف أن "اليوم، عندما تنجح الحكومة في هذا التفاوض مع إسرائيل في واشنطن، سوف تكون الضربة القاضية للمشروع الإيراني الممتد في لبنان وأيضاً للاحتلال الإسرائيلي في الجنوب".
أدرف: "التاريخ سيذكر بعد سنوات أن إيران حرمت الجنوبيين من التحرير، وأنها حرمت الشيعة من الحياة، وأنها حرمت وخانت ولعبت بدماء اللبنانيين جميعاً والشيعة تحديداً بأخذهم رهينة لهذه النيران".
وختم مراد حديثه بالقول: "هذه المرّة، لن يُؤتى على ذكر حزب الله إلا في سياق الأفعال المعيبة والمشينة التي يرتكبها بحقّ الجنوبيين، ولن يذكر التاريخ، ولو قيد أنملة، أنّ حزب الله هو من حرّر الجنوب. بل سيكون للدولة اللبنانية شرف التحرير، من دون هدايا تُقدَّم على طبقٍ من فضّة إلى حزب أو فصيل مسلّح".
ربما المشكلة اليوم ليست في ذكرى التحرير بحدّ ذاتها، بل في تحوّلها إلى مناسبةٍ يُراد منها تثبيت سرديةٍ لم تعد تُشبه الواقع. فالتحرير لا يُقاس بالشعارات ولا بالأغاني ولا بخطابات الانتصار، بل بقدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة على أرضها وحدودها وقرارها.
وعندما يصبح الجنوب ساحةً مفتوحةً للاحتلالات والنفوذ والحروب بالوكالة، يفقد "العيد" معناه الحقيقي. وحدها الدولة القادرة على انتزاع السيادة كاملةً تستطيع أن تصنع تحريراً لا يتحوّل بعد سنوات إلى مجرّد ذكرى قابلة للطعن بالسؤال: إذا كان الجنوب لا يزال محتلاً... فبأي تحرير يُحتفل؟