على إيقاع مهلة انقضت لا وهي تحمل في طياتها أكثر مما تُعلن، انكفأت لحظة الترقب تاركة مكانها لوقف إطلاق نار وُلد من قلب التوتر لا من نهايته، إذ لم يكن الاتفاق الاميركي - الايراني سوى استراحة محكومة بحسابات دقيقة، أعادت ترتيب المشهد من دون أن تُطفئ جذوته، فيما بدت الساعات التي سبق أن حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران كأنها لم تُفضِ إلى حسم بقدر ما دفعت الجميع إلى حافة تسوية موقتة.
وفي ظل هذا التحول، يبرز سؤال أكثر ثقلاً. هل ما حصل هو تثبيت لمسار تهدئة قابل للحياة أم مجرد هدنة تقنية تُخفي تحت سطحها استعدادات لمرحلة أشد قسوة حيث يُعاد فتح الاشتباك على إيقاعٍ أعلى كلما نضجت شروطه؟
في هذا السياق، يقدم محمود بشاري الكعبي، أحد مؤسسي الجبهة العربية لتحرير الأحواز وأمينها العام الأسبق، قراءة حادة تنطلق من عمق التجربة لا من سطح التحليل، إذ يرى أن الذهنية التي تحكم النظام الإيراني منغلقة على منطق قاسٍ، تنفصل فيه السياسة عن أي اعتبار إنساني أو أخلاقي حيث تتبدل الوقائع بسرعة لافتة خلال اربع وعشرين ساعة فيما يبقى الداخل الإيراني رازحاً تحت وطأة واقع مأزوم.
صورة الداخل، كما يصفها قاتمة إلى حد الاختناق، منظومة أمنية تُحكم قبضتها على التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، تعتيم شامل يلفّ المشهد، وكل تجمع يُفسر بوصفه اختراقاً أو عمالة، بينما الإعلام الرسمي بحسب توصيفه، يمارس تضليلاً ممنهجاً يُدرك الحقيقة لكنه يختار طمسها.
وعن موازين القوى، يتوقف الكعبي عند تركيبة إيران المتعددة، حيث تتجاور شعوب بثقافاتها وهوياتها المختلفة داخل كيان واحد، من الفرس إلى البلوش والأكراد والأذريين والعرب الأحوازيين، مشيراً إلى أن هذه التعددية تحمل في طياتها عناصر توتّر كامنة، في مقابل خطابٍ رسمي يوحّدها بالقوة لا بالرضى.
في موازاة ذلك، لا يقرأ الكعبي التسوية التي أُنجزت بوصفها: "محطة تفرضها ضرورات اللحظة"، تمهيداً لعودة التفاوض بأشكال مغايرة، إنما يذهب إلى أن ما حصل ليس إلا استراحة محسوبة في مسار مفتوح، فالعقل السياسي الإيراني، على حد توصيفه بارع في إدارة الوقت وتدوير الزوايا فيما تميل الإدارة الأميركية إلى تشدد أوضح في الملفات الجوهرية، من اليورانيوم إلى الصواريخ وصولاً إلى النفوذ الإقليمي.
وحين يلوح شبح الفشل مع انقضاء مهلة الأيام الخمسة عشر، تنكشف موازين القوة على نحو أكثر صراحة إذ تميل التقديرات إلى أنّ واشنطن لن تتردد في تسخير كامل أدواتها، انطلاقاً من يقين متجذر بأن ما يُعلن ليس بالضرورة مرآة ما يُدبر في الكواليس، ما يترك المشهد مشرعاً على احتمالات تتجاوز الحسابات التقليدية.
وفي عمق الخلفية، يستحضر الكعبي محطات تاريخية يعدها مفصلية، من تقاطعات خفية إلى تحالفات عادية، وصولاً إلى الحرب العراقية الإيرانية، حيث تداخلت المصالح على نحو بالغ التعقيد، بما يرسخ سردية الازدواج في سلوك النظام الإيراني: خطاب يرفع راية العداء، وآخر يضمر حسابات مغايرة.
أما في لبنان، فتتخذ الصورة بعداً أكثر حساسية، إذ يربط الكعبي واقع حزب الله ببنية فيلق القدس، معتبراً أن قراره الاستراتيجي يتجاوز الحدود اللبنانية، الذي انعكس وفق رأيه على الدولة ومؤسساتها، في بلد كان يُعرف يوماً بمنارته الثقافية ودوره الريادي في المنطقة.
ورغم ذلك، يشير إلى تراجع نسبي في قدرات الحزب مقارنة بمراحل سابقة مع بقاء تأثيره قائماً في مشهد يعكس توازنات دقيقة لا يمكن قراءتها بخط واحد.
في الشأن الداخلي الإيراني، تتكاثف إشارات الغليان الشعبي على نحو لافت، مع حديث متزايد عن مستويات مرتفعة من السخط، لا سيما داخل الأوساط غير الفارسية حيث تتداخل وجوه المعاناة بين القمع الممنهج والاعتقالات التعسفية وحالات الاختفاء القسري، ضمن مشهد بالغ القسوة يوصف بأنه من الأشد وقعاً، ترافقه أرقام مقلقة تتخطى عتبة المئة ألف بين معتقل وجريح.
ويختتم الكعبي بالإشارة إلى حراك لا ينطفئ، لكنه مثقل بقيود تحد من اندفاعه، مترقباً سنداً يفك أسر عجزه، فيما يظل السؤال الأثقل مطروحاً بين سطوة القوة وتعقيدات المصالح في إقليم لا يلامس الاستقرار إلا بقدر ما يُحسن تدوير أزماته.