لم يكن الإعلان السوري عن ضبط شحنة أسلحة متجهة إلى "حزب الله" مجرد خبر أمني عابر، فالتوقيت يحمل دلالات تتجاوز حدود عملية المصادرة نفسها، ويفتح باباً واسعاً أمام قراءة مختلفة لمسار خطوط الإمداد التي قيل مراراً إنها تعرضت لضربات قاسية، فإذا بالشحنة المضبوطة تعيد طرح السؤال من جديد هل تبدلت الوسائل فقط أم أن الشبكات ما زالت تعمل بصمت؟ كَوْن المنطقة تدخل مرحلة شديدة الحساسية يتداخل فيها الأمن بالمفاوضات والسياسة بالميدان، فيما يسير اتفاق الإطار على إيقاع ضغوط إقليمية ودولية متزايدة وسط سباق بين تثبيت الوقائع الأمنية ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر نيابية، في حديثها إلى موقع "LebTalks"، أن الاعتقاد بانقطاع السلاح عن "حزب الله" يفتقد إلى الواقعية، معتبرةً أن التنظيم يعمل بصورة مستمرة على إعادة ترميم قدراته العسكرية، وأن ما ظهر في سوريا ليس سوى مؤشر إضافي على استمرار محاولات نقل الأسلحة رغم تشديد الرقابة على المعابر والحدود ويرى أن البيانات الصادرة عن الحزب ونفيه المتكرر لا تغير من الوقائع الميدانية، ويقول ساخراً "هل يظن أننا سنصدق أنه أصبح جمعية بيئية أو خيرية".
وعن الحديث المتزايد حول إمكان نسف اتفاق "الإطار"، تلفت المصادر إلى أن "حزب الله" لم يعد يمتلك هامش الحركة الذي كان يملكه في مراحل سابقة، وتعتبر أن البيئة السياسية والشعبية تبدلت بصورة واضحة، وأن غالبية أبناء الطائفة الشيعية باتوا يميلون إلى خيار الدولة وإلى النهج الذي يقوده رئيس الجمهورية جوزاف عون، لذلك فإن أي محاولة للانقلاب على المسار القائم ستصطدم بواقع داخلي مختلف عما كان عليه المشهد قبل سنوات.
وحول احتمال اندلاع مواجهة أميركية إيرانية تنعكس على الساحة اللبنانية، ترى المصادر نفسها أن الحكمة تفرض على "حزب الله" عدم إعادة فتح جبهة الجنوب تحت أي عنوان، لأن المزاج الشعبي في الجنوب تبدل بصورة كبيرة بعد الحرب الأخيرة، مضيفةً أن أبناء القرى الذين دفعوا أثماناً باهظة لن يقبلوا بتكرار التجربة، وأن الحزب لم يتمكن من حماية بلداته ولا من منع حجم الدمار الذي أصابها، لذلك فإن المطلوب اليوم العودة إلى الواقعية والتخلي عن الرهانات التي لم تنتج سوى مزيد من الخسائر.
أما في الشأن الداخلي، فتعتبر المصادر أن الجلسات التشريعية الأخيرة فوتت فرصة مناقشة الملفات الأكثر إلحاحاً، وعلى رأسها اتفاق "الإطار" وتداعياته السياسية والدستورية، مشيرةً إلى أن مقاطعته لتلك الجلسات كانت، من وجهة نظره، القرار الصحيح، لأن المجلس لم يضع القضية الأساسية على جدول اهتماماته، واكتفى بالدخول في سجالات جانبية لا تلامس حجم التحولات التي تشهدها البلاد.
وتشير معطيات سياسية وأمنية تتابعها "LebTalks" إلى أن ضبط الشحنة السورية لا ينفصل عن مرحلة جديدة من التشدد الأمني على الحدود السورية العراقية، في ظل تعاون متنام بين أجهزة أمنية عدة لملاحقة شبكات التهريب، بالتوازي مع ضغوط أميركية متصاعدة لإقفال مسارات نقل السلاح وإضعاف البنى اللوجستية المرتبطة بالمحور الإيراني، فيما يرى مراقبون أن نجاح أي مسار سياسي في لبنان سيبقى مرتبطاً بمدى القدرة على منع إعادة بناء خطوط الإمداد العسكرية التي كانت لعقود أحد أبرز عناصر القوة لدى الحزب.