بين قدحٍ يُرفَع باسم "الفرح الأخير" قبل دخولنا زمن الصوم، وشمعةٍ تُشعَل على نيّة الراحلين، يعود الجدل كل عام في لبنان ليطرح السؤال نفسه: أيّ خميس هذا الذي يسبق الصوم؟ هل هو "خميس السكارى"، أم "خميس الذكارى"؟ بين عادة اجتماعية ارتدت مع الزمن ثوب القداسة، ومحاولة أخلاقية لإعادة ضبط المعنى، يتقاطع التراث بالدين، والفرح بالمسؤولية، والحرية بالرصانة.
في السياق، أشار مدير عام إذاعة "صوت المحبّة" الأب شربل جعجع في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أن "في كل مجتمع هناك تراث وعادات تتناقلها الأجيال، وأحياناً تُصبح عند الناس بوزن العبادة نفسها".
وأوضح أن "هذا ما نسمّيه التقوى الشعبيّة، منها ما يرتبط بالليتورجيا (مثل عيد القديسة بربارة، وهو عيد كنسيّ ترافقه عادات شعبية كالقمح والتنكر)، ومنها ما هو غير مُدرَج ليتورجياً أصلاً، أي عادة اجتماعية تُعاش حول مناسبة دينية من دون أن تكون هي نفسها عيداً كنسياً"، مُشدّداً على أن "ومن هذا النوع تحديداً تأتي احتفالات ما قبل الصوم في لبنان، وعلى رأسها الجدل السنوي: خميس السكارى أم خميس الذكارى؟".
تابع الأب جعجع أن "إذا تكلّمنا بدقّة كنسيّة ـ تقويمية، هذا النهار ليس عيداً ليتورجياً رسمياً في الروزنامة، بل عادة شعبية، لذلك لا تسمية كنسيّة ملزمة له". كما أكّد أن "من ناحية الاستعمال الشّعبي والتاريخ القريب في الكنيسة المارونية وبيئتها في لبنان، فالأشيع والمتداول هو خميس السكارى".
ولفت إلى أن "تسمية خميس الذكارى ظهرت لاحقاً عند بعض الناس كمحاولة لتهذيب المعنى أو تصحيح ما يعتبرونه إساءة". وأردف الأب جعجع أن "السبب الأوضح الذي يجعل الذكارى غير دقيقة كتسمية حصرية لهذا الخميس هو أن تذكار الموتى المؤمنين في الطقس الماروني له أحد سابق ومسار روحي أوسع من يوم واحد (أحد تذكار الموتى وأسبوع الذكرى)، مُضيفاً أنه "لا ينحصر بالخميس وحده كما أنّ كلمة ذكارى غير موجودة في اللغة العربية أو في المعجم العربي وحتّى اللبناني".
وتطرّق الأب جعجع وسط حديثه إلى مسألة شرب الكحول في هذا اليوم، وقال: "عندما يتحوّل إلى سكر، إسراف، أذى، تعثّر للآخرين، أو فقدان للرصانة فهذا يتعارض مباشرة مع روح الاستعداد للصوم التي هي توبة وصلاة وانسحاق قلب"، منوّهاً بأن "النقطة الأهم هي أن الكنيسة لا تعتبر هذا الخميس عيداً واجباً ولا تضعه كمدخل للصوم، بل تدعو المؤمن أن يعيش التحضير بشكل روحي ومسؤول".
واعتبر أن "الفرح المسيحي ليس مزاجاً صاخباً ولا هروباً من الداخل، بل هو فرح نابع من الرجاء والاتكال على الله، يترافق مع رصانة ووعي ومحبة للآخر، تاركاً بعده سلاماً لا ندامة ولا جرحاً ولا فضيحة".
أما عن "التفلّت"، فرأى الأب جعجع أنه "فقدان الضبط الداخلي وتحويل الفرح إلى استهلاك (مأكل/ شرب/ استعراض)"، مُنبّهاً من أنه "قد يصل إلى كسر كرامة الإنسان، فالفرح المسيحي يبني الإنسان؛ التفلّت غالباً يُفكّك الإنسان".
ووجّه الأب جعجع رسالة "بسيطة وواضحة" إلى كلّ مؤمن، قال فيها: "أنت حرّ، لكن لست وحدك. حريّتك المسيحية لا تُقاس بكمّ ما تشرب، بل بقدرتك أن تحبّ وتحفظ كرامتك وكرامة غيرك. لا تسرق من الصوم معناه قبل أن يبدأ، فالصوم ليس حرماناً، بل طريق شفاء وعودة إلى الله". إذا أحببت الفرح، افرح ولكن بفرح نظيف، اجتمع بعائلتك، شارك المحتاج، صلِّ لأمواتك ضمن مسيرة الكنيسة وأدخل الصوم بقلب مستعدّ".
يبقى هذا الخميس مرآة صادقة لعلاقتنا بالإيمان أكثر ممّا هو مُناسبة بحدّ ذاته. تسميته لا تمنحنا معناه، بل الطريقة التي نختار أن نعيشه بها: أهو مساحة "تفلّت" نُفرغ فيها الفرح من مضمونه، أم محطة وعي نعيد عبرها ترتيب الداخل قبل عبور عتبة الصوم؟ فالكنيسة تضعنا أمام حرّيتنا لا لتديننا، بل لدعوتنا إلى اختيار ما يبني فعلاً الإنسان.