ما يجري راهناً في السودان لا يقتصر أثره على خلافات داخلية بين الجيش النظامي وقوات الدعم السريع، بل ستكون له ارتدادات حتمية على المشهد الإقليمي المباشر انطلاقاً من المعطيات الآتية :
أولاً : من ناحية مصر، مشهد احتجاز جنود مصريين في قاعدة "مروي" يبقى من دون تداعيات، خصوصاً وأن الجهة التي تحتفظ بالجنود هي الدعم السريع بقيادة حميدتي، في وقت من المتعارف عليه أن القاهرة داعمة للفريق عبد الفتاح البرهان قائد القوات المسلحة السودانية.
مصر أكدت على ضرورة الحفاظ على حياة الجنود المصريين بالتزامن مع إبداء حميدتي استعداده لتسليم الجنود المحتجزين الى القاهرة بناءً لطلبها، في ما يبدو أنها محاولة من قائد الدعم السريع للحصول على اعتراف مصري بوجوده وبالتالي بشرعية معينة.
ثانياً : قصف جوي مجهول وصف بالطيران الأجنبي من قبل شبكة سي ان ان العربية استهدف قوات الدعم السريع فور دخولها بورتسودان،
هذا التدخل لطيران أجنبي يعود بالذاكرة الى الطيران المصري الذي كان قد قصف تنظيم الدولة الإسلامي في ليبيا في العام ٢٠١٥، حيث كانت المعلومات قد أشارت في حينه عن ضربات جوية نفذها طيران أجنبي تبيّن في ما بعد بأنه سلاح الجو المصري.
ثالثاً : في نظرة إقليمية سريعة للمحيط السوداني، يمكننا ملاحظة أن غالبية الدول المعنية أو التي قد تعنيها الأزمة السودانية منشغلة بأمورها واستحقاقاتها الداهمة، بدءاً من الخليج المنشغل راهناً بالمصالحة مع إيران وبالانفتاح على حركة حماس التي يزور رئيسها إسماعيل هنية الرياض قريباً، وبالتقارب مع بشار الأسد لمشاركة سوريا في القمة العربية المقبلة في الرياض، فضلاً عن الصراع الأميركي- الصيني حول الخليج.
جيروزالم بوست إعتبرت من جهتها أن مصر منشغلة جداً بأزمتها الاقتصادية الداخلية، بالإضافة الى المصالحة مع تركيا وملف سدّ النهضة وسوريا … بما لا يدع مجالاً للشك بانشغال القاهرة عن ما يجري في السودان .
رابعاً : الدولة الوحيدة المعنية مباشرة بما يجري في السودان لناحية أمنها القومي تبقى مصر بالدرجة الأولى للاعتبارات الآتية :
١ - استدعاء التدخل المصري بسبب احتجاز ضباط مصريين في قبضة الدعم السريع ما يعني عدم قدرة مصر على عدم التدخل.
٢- مصر لا يمكنها أن تسمح لقوات الدعم السريع وقائدها حميدتي من الانتصار على الجيش السوداني الذي تدعمه القاهرة بشخص قائده الفريق بعد الفتاح البرهان الذي زار القاهرة وحصل على دعم وتأييد مباشرَين من الرئيس عبد الفتاح السيسي،
وبالتالي فإن أي تدخًّل مصري سيكون بلا أدنى شك داعماً للجيش السوداني أي ضد الدعم السريع، ومن هنا احتمالية تدخّل مصر عسكرياً لدعم الجيش السوداني .
خامساً : سبق وأشرنا في مقالنا السابق حول السودان أن حميدتي مؤيد لعلاقات مع روسيا، وينحو باتجاه تقديم قاعدة روسية متقدّمة للروس في السودان، الأمر الذي يرفضه البرهان لتجنيب السودان العقوبات الدولية في حال التعامل مع موسكو.
من هنا كان التطبيع السوداني مع إسرائيل في مقابل التأييد والدعم الأميركي والغربي للسودان،
لكن لا بد من الإشارة الى أن مسألة العلاقات مع إسرائيل ليست حكراً على الفريق البرهان، إذ ان حميدتي قائد الدعم السريع سبقَ له أن التقى في العام ٢٠٢١ بالموساد الإسرائيلي، فضلاً عن أنه وقبل أيام معدودة من بدء انقلابه على الجيش السوداني التقى "الترويكا الغربية" المؤلفة من المبعوثين الأميركي والبريطاني والنرويجي، بما يوحي أنه قد يكون أبلغهم بقراره الانقلابي، وبمطالب له منهم بحسب صحيفة سودان تريبيون .
والمعلوم أن حميدتي كان له تصريح شهير أبدى فيه موافقته على استمرار العلاقة مع إسرائيل وصولاً الى التطبيع الكامل،
وأن البرهان سبق له أن التقى وزير الخارجية الإسرائيلي بشكل علني في شهر شباط الماضي من ضمن وفد إسرائيلي.
سادساً : صحيح أن علاقات حميدتي بدول الخليج جيدة والسبب في ذلك مشاركة قواته في حرب اليمن من ضمن التحالف العسكري ضد الحوثيين لكن دول الخليج، رغم إحراجها من ذلك، لن تُقدم على دعمه عسكرياً أو سياسياً، بل فقط إعلامياً لعدم الاصطدام بقيادة الفريق البرهان الذي يحوز أيضاً على ثقة دولة الإمارات ومصر ودعمهما.
الدعم الإعلامي تجلّى في الساعات الماضية من خلال استضافة قناتي العربية وسكاي نيوز لحميدتي فيما الجزيرة استضافت البرهان .
سابعاً : مما لا شك فيه أن حرب السودان الحالية تؤثر على ملف سدّ النهضة وتحديداً في الجانب السوداني، فالخرطوم ستتراجع عن تخزين المياه نظراً للفوضى الإدارية والسياسية السائدة حالياً نتيجة الحرب الدائرة، ما سيدفع بأثيوبيا الى استغلال الغياب السوداني في تحويل المواجهة الى مواجهة مع مصر على اعتبار أن القاهرة هي التي تريد فرض سيادتها وبأنها تستقطب المشهد الإقليمي لمصالحها الذاتية، الى ما هنالك من تهمٍ يجري تسويقها ضد مصر من الجانب الأثيوبي.
مما لا شك فيه أن الجيش السوداني لن يستطيع التحرّك عسكرياً ضد السدّ في ظل انغماسه بالأزمة الداخلية الحالية، فيما أولويات القاهرة تبدّلت الآن لتحتل مسألة أمن وهدوء حدودها الجنوبية الاهتمامات الحالية في ظل ما يجري في السودان.
أثيوبيا تستطيع الاستثمار الإعلامي والدعائي لمشهد الضباط والجنود المصريين المحتجَزين في السودان لإظهار القاهرة على أنها ضعيفة، إذ إن الدعم السريع لوحده كميليشيا قادر على إلحاق الهزيمة بالجيش المصري، الأمر الذي ستكون له تداعيات على العلاقات المصرية- الأثيوبية المتوتّرة أصلاً بسبب سدّ النهضة ومحاولات أثيوبيا الاستفراد بإنتاجه وإدارته .
السودان اذاً في مهب الحسابات الجيو سياسية الإقليمية إلا أن الكلمة الفصل راهناً تبقى للميدان وإفرازاته العسكرية، في ظل القتال الدائر وتفاعل دول الجوار مع التطورات وتأثير ما يحصل على مجمل خريطة المنطقة التي يبدو أنه ممنوع أن تنعم بالهدوء والسلام الذي كان سينبلج فجره من بحر الخليج مع الاتفاق السعودي- الإيراني .
يبقى أن ثمة بوادر دخول الوضع السوداني في دائرة التجاذبات الأقليمية مع مؤشرات تنافسية بين مبادرتين مصرية- أممية وأفريقية تحرك الأخيرة أديس أبابا على خلفية النزاع حول سدّ النهضة .