بقلم جورج أبو صعب
كانت لافتة في توقيتها وأبعادها الجولة الرئاسية الخليجية التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان مؤخراً لكل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ودولة قطر.
هذه الجولة بتوقيتها جاءت غداة المواقف المفاجئة للرئيس التركي حيال روسيا والرئيس فلاديمير بوتين بعدما استقبل اردوغان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي، وأطلق له قيادات آزوف الذين سلّمهم لزيلينسكي، عائداً بهم الى أوكرانيا، واتهام موسكو لأنقرة بخيانة الوعد بإبقائهم في تركيا وعدم تسليمهم للجانب الأوكراني، وصولاً الى تأييد انضمام السويد الى حلف الناتو، كما أن هذه الجولة جاءت بالتزامن مع توتر العلاقات التركية- الروسية والتركية- الإيرانية وتحسّنها تركياً إسرائيلياً وتركياً أميركياً.
أما في المضمون، فإن الجولة سجلت عقوداً واتفاقيات تعاون وتجارة واستثمار أبرزها عقد تصنيع سعودي- تركي لمسيّرات بيرقدار الناجحة جداً في الحرب في أوكرانيا والمستخدَمة من الجانب الأوكراني، في مواجهة المسيّرات الروسية الصنع والأخرى الإيرانية الصنع من طراز شاهد.
جولة الرئيس التركي على دول الخليج جاءت على وقع التهديد الإيراني لحقل الدرة النفطي، والتصعيد الإيراني الذي بلغ حدّ تهديد قائد في الحرس الثوري الإيراني بالمطالبة بالبحرين، لو استمر الرفض السعودي- الكويتي لِما تعتبره إيران حقاً لها في الحقل.
زيارة الرئيس التركي الذي أُعيد انتخابه حديثاً لولاية رئاسية أخيرة يسعى في هذه المرحلة الى تحقيق الأهداف الاستراتيجية التالية :
- أولاً : تدعيم علاقاته الخليجية وتوثيقها وتوسيعها واستثمارها اقتصادياً وتجارياً وسياسياً الى أقصى حدٍ ممكن لطي صفحة الماضي وتصغير المشكلات مع الخليجيين، ولا سيما السعوديين الذين مع الإماراتيين، قدموا ودائع للبنك المركزي التركي لدعم الليرة التركية والاقتصاد التركي.
- ثانياً : تثبيت موقع تركيا العضو في الناتو والحليفة للغرب وبخاصة الأميركيين في معادلة الشرق الأوسط، ولا سيما الخليج ولو في مواجهة إيران الشريكة والحليفة السابقة في منصة آستانا مع الروسي.
- ثالثاً : إثبات القدرة لدى أنقرة في مساعدة دول الخليج على مواجهة التهديد الإيراني والوقوف الى جانبها انطلاقاً من التوتر الإيراني- التركي في الملف السوري حيث أنقرة ترفض الانسحاب من الشمال الغربي السوري وتسليمه لنظام بشار الأسد الموالي لإيران وروسيا.
كما أن هذه الجولة تأتي في خضم إفهام الروس أن لإنقرة أيضاً امتدادات عربية- خليجية صديقة وحليفة يمكنها أن تقيم التوازن مع استمرار في تدهور الوضع السياسي بين أنقرة وموسكو. - رابعاً : لعب الدور الأميركي البديل في تقوية العلاقات مع دول الخليج ولا سيما السعودية والإمارات في حال حشر واشنطن في أي تفاوض مع إيران أو حتى في حال فشل العودة لأي اتفاق نووي مع طهران، بحيث تكون أنقرة موجودة بقوة في دول الخليج لتأمين التوازن المطلوب.
يُذكر أنه في العام ٢٠١١، عبّر الملك السعودي الراحل عبدالله بن عبد العزيز علناً عن استعداد الخليج باستبدال أميركا بتركيا لضمان أمن الخليج، مع ذهاب واشنطن الى الصين وآسيا حيث مراكز اهتمامها الأساسية.
ومن دلالات تحقّق هذه النبؤة السعودية للملك الراحل حجم صفقة "عقد بيرقدار" التي وصفت بأنها أكبر العقود العسكرية لتركيا منذ نشأتها وقد وقّع مع المملكة العربية السعودية.
تركيا اذاً تريد لعب دور استراتيجي كبير مع دول الخليج في المنطقة خصوصاً بعدما باتت نقاط التباعد التركية- الإيرانية- الروسية أكبر وأوسع من نقاط الالتقاء منذ توقف منصة آستانا لاختلاف المصالح وافتراقها بين أركانها الثلاثة، وهذا ما فسّر الاستدارة التركية الأخيرة في مواجهة روسيا وإيران، والتقرّب أكثر فأكثر من الناتو والخليج، ما يبشّر بمرحلة جديدة تكون أنقرة جنباً الى جنب مع دول الخليج في مواجهة إيران، وجنباً الى جنب مع الناتو وأوكرانيا في مواجهة روسيا.
واشنطن العائدة عسكرياً الى المنطقة بمهمة محدّدة هي حماية الممرات المائية والمضائق من أي اعتداء إيراني، وبخاصة مضيق هرمز لإبقاء التجارة الدولية والنفطية حرة لا تستطيع التركيز على منطقة الخليج أكثر، وهي المنشغلة في أوكرانيا وتايوان والنووي الإيراني وشؤون آسيا والصين وكوريا الشمالية وسواها من ملفات ساخنة، وأولوية لواشنطن مستعدة لتفويض تركيا (الناتو) لتولي مؤازرة الخليجيين في حماية مواردهم وبحرهم وممراتهم وسفنهم النفطية وناقلات العالم عبر بحر الخليج ومضائقه وممراته.
ويُلاحظ أيضاً في توقيت زيارة الرئيس التركي امتناع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الى الآن عن زيارة الرياض رغم مضي فترة نوعاً ما طويلة على توجيه الملك سلمان للرئيس الإيراني الدعوة، إلا أن رئيسي لم يزر بعد السعودية رغم دعوته الرسمية سعودياً، ورغم افتتاح السفارات بسبب الخلاف حول حصة إيران في حقل الدرة والجزر الإماراتية الثلاث، وقد ردّت إيران بلهجة تصعيدية ومتحدّية بأنه في حال استمر تصاعد الأمر فإن إيران ستطالب بالبحرين على حد ما كاشف تصريح ناري من علي رضى تنكسيري، قائد القوى البحرية في الحرس الثوري الإيراني .
هذه الحادثة تعيد الى الأذهان السؤال الكبير حول مصير اتفاق بكين بعدما أمعنت طهران الى الآن في السلبيات من دون أي إيجابية تجاه المملكة ودول المنطقة.
ويُلاحظ أن إيران تتجه أكثر فأكثر نحو روسيا، فيما الكباش الدولي والإقليمي معكوساً على أشده، لأن الأميركي يسعى لتركيع روسيا وكسر نظام بوتين ودفعه الى صراع مع الصين في المناطق الشرقية الروسية خدمة لواشنطن والغرب، كما الصراع الأوكراني الروسي الذي يخدم الغرب تماماً.
معادلة حصول حروب حول الحدود الصينية في حال الصراع الصيني- الروسي مطروحة منذ فترة طويلة في كواليس القرار الأميركي والغربي المؤثرة، وقد يكون إحياء تلك المعادلة في أساس زيارة وزير الخارجية الأميركي السابق ومهندس العلاقات الاميركية- الصينية منذ ربع القرن الماضي هنري كيسنجر للصين، انطلاقاً من نظرية أميركية قديمة جديدة بالتقرّب من الصين لضرب روسيا، مع أن حرب أوكرانيا واستنزاف الرئيس بوتين يضعفه أكثر فأكثر أمام حليفه الصيني، ما يعني ابتلاعه من بكين مع الوقت.
ومن الناحية الجيو سياسية، فإن الصين محشورة في الملف الباكستاني، كما هي محشورة في الملف الهندي ما قد يعزّز فرضية التدخّل الصيني في باكستان، ولذا وفور انسحاب أميركا من أفغانستان زارها الصينيون فوراً لأن الصين تخشى على طريق الحرير المهدّدة من كل من باكستان وسوريا،
وبالتالي فإن الحرب على حدود الصين الغربية آتية بحسب التخطيط الغربي وإيران رئيسي مهتمة أكثر بالملف الباكستاني والتهديد الآتي من باكستان أكثر مما هي مهتمة بالخليج، وبالتالي جاءت زيارة أردوغان بملء الفراغ واستباق زيارة الرئيس الإيراني الى الرياض وعقد الصفقات التاريخية بين أنقرة والرياض وأبو ظبي.
أردوغان أدرك أن إيران مصدر للصراعات وليست ضامناً لأمن الخليج، ورئيسي لا يزور مصر أو تركيا أو السعودية لأن إيران تتحضر للحرب المقبلة في باكستان شرق المنطقة.
يبقى أن الحسابات الإقليمية كما الدولية في مرحلة تقلبات حادة ومفاجئة حيث يبقى كل شيء ممكن في أي وقت وفي أي بقعة من بقاع ساحات المواجهات، فهل يُستثنى الخليج من تلك التقلبات وتتبدل بالتالي الأولويات وبالتالي التحالفات؟
المستقبل القريب جدير بحمل الأجوبة.