يقول الكاتب والروائي الروسي فيودور دوستوفيسكي إن الإنسان يحب الهدم والفوضى أحيانا و ذلك أمر لا جدال فيه،
ونحن نزيد أن الإنسان أحياناً كثيرة يجد في الفوضى أفضل فرصة لتحقيق مكاسبه.
العالم اليوم في حالة فوضى: الأمم المتحدة مشلولة في غالب مؤسساتها، مجلس الأمن مشتّت بين جبابرة يتصارعون حول حكم العالم، وقانون دولي بات وجهة نظر وموضع اجتهادات على قياس مصالح الزعماء والأنظمة الحاكمة.
صراع بين قطبين، واحد يتمسك بقيادته العالم الولايات المتحدة الأميركية، وآخر يرى أن الوقت قد حان لنظام عالمي جديد.
منظمة التجارة العالمية مشلولة، فلا اجتماعات ولا قرارات، فيما وحدها المؤسسات الإنسانية تعمل وبالإمكانات المتاحة. مأزق العالم اليوم أنه يفتقد قيادةً موحّدة ونظاماً شاملاً يطبّق على الجميع، بل تفرّد كل دولة في تحقيق ما يناسبها من دون أية مراعاة لمصالح الآخرين.
هذا العالم هو في مرحلة انتقالية قاتلة ومدمِّرة بين نظام عالمي يلفظ أنفاسه من الاسكا الى تايوان، ونظام جديد لم نبصر بعد ملامحه الأولية على الأقل.
الولايات المتحدة لا تزال الى الآن متربّعةً على عرش القيادة العالمية، فهي القوة الأكبر والاقتصاد الأقوى وبخاصة في هذه المرحلة الانتقالية، فالاقتصاد يبقى مصدر القوة الأساسي للأميركيين، وقد أثبتت تجربة سقوط الاتحاد السوفياتي أن العسكرة والقوة النووية وحدهما لا تكفيان، إن لم يكن ثمة قوة اقتصادية لأن الاقتصاد في أساس السيطرة العالمية وليس الجند والسلاح.
وفي هذا الأطار، نشير الى أن لا إفلاسات لبنوك في الولايات المتحدة عكس ما أُشيع وأُذيع في الإعلام، بل استحواذ لبعض البنوك على أخرى والفارق كبير بين الإفلاس والاستحواذ، كما نشير الى أن حركة الدولار في العالم تبلغ حوالي خمسة تريليونات يومياً، ما يعزّز النشاط والسيطرة الأميركية، خصوصاً وأنها تملك مطابع الدولار، وخلال العامين الماضيين فقط طبعت الولايات المتحدة من الدولارات ما يعادل ما طبعته زهاء مئتي عام.
وفي أثناء جائحة كورونا، كان كل مواطن أميركي يتلقّى بالبريد مساعدات بالدولار، ما يشير بوضوح الى القوة الاقتصادية للدولار ومدى سيطرته على الاقتصادات العالمية.
الصين لم ولن تتسلّم مشعل "القطبية العالمية" من الولايات المتحدة، إذ إن الذي سيحصل هو تلاقٍ أميركي- صيني لإدارة العالم إدارة مشتركة،
لكن هذا لا يمنع حصول حرب عالمية تدور رحاها فعلياً في الوقت الراهن انطلاقاً من البوابة الأوكرانية، إ إنذ ما يحصل في أوكرانيا هو حرب عالمية بالوكالة بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة والشرقي الممثَل بروسيا ونظام الرئيس فلاديمير بوتين المدعوم من الصين.
المواجهة العالمية مفضوحة في أوكرانيا بين المعسكرين واستخدام السلاح المتطوّر والفتّاك جارٍ على قدم وساق، والتطورات المتصاعدة تشي بتصعيد كبير سيفاقم التوترات الدولية في المستقبل القريب.
الاحتكاك بين الولايات المتحدة والصين قاب قوسين أو أدنى من حصوله كما الحال من حصول مواجهة أميركية- روسية.
الثابت الوحيد المتوقَّع دولياً هو التغيير لكن هذا لا يعني اختفاء الولايات المتحدة أو إفلاسها حتى ولو عزلَها العالم بأسره فهي تستطيع المقاومة والعيش في عزلتها من دون معاناة لأنها دولة متكاملة بإبداعاتها وتكنولوجياتها.
الصين تفوقّت على الولايات المتحدة في حجم تجارتها الدولية، وهي تُعتبر أول تاجر في العالم كما المصنع الأول في العالم متفوقةً على الأميركيين في الصناعة.
اذاً العالم أمام صراع تجاري واقتصادي وعسكري، وبالتالي نحن في حالة حرب بين مكوّنات النظام العالمي كافةً الى أن يضطر الأميركي والصيني الى الجلوس معاً للاتفاق على نظام عالمي جديد، علماً أن
بريطانيا، عندما خرجت من الاتحاد الأوروبي، لم تفعل ذلك إلا لتلتحق بالولايات المتحدة الأميركية، ما دفع بفرنسا الى سدّ الفراغ الذي خلّفه خروج بريطانيا التي كانت في صلب الاتحاد لفترة معينة خدمةً لمصالح الولايات المتحدة وليس أوروبا.
بالأمس، إجتمع وزيرا خارجية الولايات المتحدة والصين وأصدرا مواقف نمت عن رغبة في التعاون وتعزيز التواصل : إنها إرهاصات الوعي الجماعي لدى الطرفين غير الراغبين في الاصطدام الذي هو حتمي في المستقبل.
الدول تعيد تموضعها حالياً بانتظار ما ستُسفر عنه نتائج الصراع الدولي الدائر من إنتاج لنظام التعدّدية القيادية الذي سيدير النظام العالمي الجديد بمعادلات جديدة وتوازنات جديدة،
فالعالم مقبل على نظام متعدّد الأقطاب، الأمر الذي يطرح سؤالاً كبيراً حول مدى استعداد الدول للالتحاق بالنظام الجديد، وبخاصة الدول الصغيرة كلبنان ودول المنطقة المنكوبة.
من هنا وللمرحلة القصيرة والمتوسطة، لا صوت سيعلو على صوت الفوضى التي نعيشها في كافة بقاع العالم لأن كل الشعوب تسعى حالياُ الى تحسين تموضعها وإعادة حساباتها في ضوء التطورات المتسارعة على أكثر من محور في القارات الخمس الأساسية.
بالانتظار، أنها الفوضى العالمية بأبهى تجلّياتها غير البنّاءة والمدمِّرة تحكم العالم بقرار من الإنسان الذي صمّم على تغيير وجهة التاريخ ومعها وجهة المستقبل البشري برمّته