تُخفي غبار الأحداث الإقليمية الظاهرة والمتسارعة منذ أشهر معدودة الكثير من كواليس تطورات وأحداث غير ظاهرة وغير متداولة لكن موجودة وبقوة بالتوازي مع ما يُعلن وما يُشاع ويُنشر، وكأن المطلوب توجيه الرأي العام الإقليمي والعربي خصوصاً نحو وجهة واحدة للأحداث وعدم تركه يلتفت الى ما يحصل في الصفوف الخلفية لا بل في القنوات الخلفية للمنطقة.
من هذا المنطلق وفي هذا الإطار بالذات، فإن ما يدور في كواليس القرارَين الإقليمي والدولي حالياً أشبه بحربٍ أخرى ومن نوع آخر هي حرب الخيارات والتوجّهات، إذ نجد من جهة جواً متفائلاً بنتائج عودة العلاقات السعودية- الإيرانية، وبما يُحكى عن انعكاسات إيجابية على دول المنطقة لم نرَ منها الى الآن سوى تمرّد عبد الملك الحوثي على اتفاق بكين وهجومه على آل سعود منذ أيام، ومناورات عسكرية لحزب الله في الجنوب اللبناني مؤخراً، وإقالة القيادة الإيرانية علي شمخاني مهندس اتفاق إيران مع المملكة، وصولاً الى تمرّد النظام السوري على مقرّرات وتوجّهات قمة جدّة والجامعة العربية على لسان وزير خارجيته فيصل المقداد في حديثه المتلفز منذ أيام حين اعتبر أن القرار ٢٢٥٤ نُفذ وقد أخذ منه النظام ما يناسبه، وأن لا دخل للدول العربية بشؤون وسياسات النظام الداخلية، فضلاً عن استمرار تعثّر انتخاب رئيس جديد للبنان إن صحت التحليلات بأن أجواء التطبيع الإيراني- السعودي ستسهم في تسهيل الانتخاب، وهو تحليل لا نشاطر فحواه انطلاقاً من ما تشهده المنطقة من تطورات وتوجهات وتصاريح لا تتناسب مع حجم التفاؤل الذي يُشاع اعلامياً.
من هنا، نجد أن المنطقة ليست متجهة نحو التهدئة بل نحو التصعيد والانفجار بما أدى وسيؤدي الى خفوت موجة التفاؤل وتأثيرات موجات اتفاق بكين الإقليمية على قاعدة إيرانية بأن "خيبر ثانية" آتية يا أيها الصهاينة، وهو الإسم الذي أُطلق على صاروخ باليستي إيراني جديد قادر " على تحطيم الكيان الصهيوني " وعلى قاعدة تصاريح لوزير دفاع إسرائيل بشنّ حربٍ ضد إيران ووكلائها في الشرق الأوسط القريبين من إسرائيل، وزيارة وفد إسرائيلي الى البيت الأبيض لمناقشة التطبيع مع السعودية، وضرب إيران وسط تكهنات بأن يمنح الرئيس الأميركي جو بايدن الإذن لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بإشعال المعركة.
ثمة مَن يعتبر أنه من غير المستبعد أن توافق تل أبيب على شروط الرياض للتطبيع هذه المرة تحت ضغط حاجة حكومة نتانياهو لإبعاد شبح التأزم الداخلي والخروج بإنجاز " تاريخي ضخم " يقضي من خلاله على أصوات المعارضة الإسرائيلية الداخلية الساخطة عليه وعلى حكومته اليمينية المتطرّفة.
علّمتنا السياسة ولا سيما الخارجية منها لأكثر من ٤٠ عاماً أن لا شيء مستحيل في معادلات الشرق الأوسط، وآخر دليل على ذلك الانفتاح الفجائي للمملكة العربية السعودية على إيران وقبله اتفاقات أبراهام وسواها من تطورات صادمة غيّرت بين ليلة وضحاها مسارات المنطقة وخربطت حساباتها وأعادت خلط أوراقها على نحو دراماتيكي.
منذ أيام حصل اتصال بقي طي الكتمان والسرّية عن الإعلام العربي والإقليمي بين ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو تم الكشف خلاله عن أن ولي العهد السعودي كرّر طلباته كشروط للتطبيع وتشكيل شرطة فلسطينية للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة ودولة فلسطينية ووقف إسرائيل اعتداءاتها على الضفة وقطاع غزة.
والجدير ذكره أن الإعلام الإسرائيلي إستفاض في تناول الاتصال ومضامينه، فيما لم يصدر عن المملكة أي موقف حيال ذلك، وقد أفصحت صحيفة جيروزاليم بوست عن الاتصال مشيرةً الى أن الرياض قدمت لائحة مطالب متعلّقة بالقضية الفلسطينية، علماً بأن الاتصال تم بتنسيق مع وزير خارجية البحرين عبد اللطيف الزياني،
وكذلك تحدث وزير خارجية إسرائيل مع نظيره البحريني الأحد الفائت عن ملف التطبيع مع المملكة.
على صعيد آخر، يتصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران ووكلائها الإقليميين بدءاً من حزب الله اللبناني حيث، وبعد المناورات التي قام بها الحزب انطلاقاً من جنوب لبنان، لم يأتِ الرد الإسرائيلي على تلك المناورات مباشرةً بل اتجه ناحية إيران حيث أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أن " يد إسرائيل طويلة " وبإمكانها ضرب أي مكان في المنطقة رداً على وحدة الساحات التي تنتهجها إيران عبر وكلائها، وما إن انتهى المسؤول الإسرائيلي من كلامه وفي غضون ساعات، حصل انفجار ضخم في مصنع كيماوي يبعد عن العاصمة الإيرانية مئة كيلومترٍ فقط.
من جهته، كشف موقع "اكسيوس " الاستخباراتي عن زيارة يزمع كل من وزير العلاقات الخارجية الإسرائيلي ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي القيام بها الى البيت الأبيض الأسبوع المقبل للقاء مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سوليفان .
هذا اللقاء المرتقب له علاقة بالملف الإيراني وبضرورة توجيه ضربة لإيران انطلاقاً من خلاصات خطيرة توصّلت اليها تل أبيب، ومن أبرزها بلوغ طهران مرحلة التخصيب بنسبة ٨٣%، ما يعني أن إيران قادرة بعد الوصول الى هذه النسبة على صنع قنبلة نووية،
وما عزّز التوتر الإسرائيلي ما كشفت عنه صحيفة تايمز أوف إسرائيل عن قيام إيران ببناء مبنى للتخصيب العسكري قرب مفاعل ناطنز وقد شُيّد تحت الأرض بعمق كبير ليكون بمنأى عن القنابل التدميرية الأميركية.
وترافق ذلك مع بروز الصاروخ الإيراني البالستي الجديد بإسم خيبر والذي يبلغ مداه ٢٠٠٠ كلم، والمعلوم أن المسافة بين إيران وإسرائيل هي ١٠٠٠ كلم.
خطورة الموضوع بالنسبة لإسرائيل هي أن هذا الصاروخ قد تم تصميمه وفق تكنولوجيا روسية متقدّمة ومتطورة، ما أعطى دفعاً كبيراً ومتطوراً للبرنامج النووي الإيراني، وموسكو مُدينةً لطهران بالفضل للمسيّرات الإيرانية التي سُلّمت للروس والتي استخدمت ولا تزال في حرب أوكرانيا، وقد تجاوز التعاون العسكري والتكنولوجي بين موسكو وطهران الخطوط الحمر الإسرائيلية والأميركية كافة.
وكالة رويترز إعتبرت أن ولادة هذا الصاروخ البالستي هو تطور لافت وخطير،
وفضلاً عن البرنامج النووي وعن قدرة إيران على صنع صواريخ بالستية ثمة أمر آخر يقلق تل أبيب ويوتّرها أيضاً وهو تنامي قدرة إيران على كشف شبكات التجسّس الإسرائيلي والغربي بفضل المساعدات المقدمة لطهران من المخابرات الروسية.
منذ فترة، أعدمت إيران نائب وزير دفاعها السابق علي رضى أكبري الحامل باسبوراً بريطانياً نتيجة المساعدة الروسية لأجهزة استخبارات طهران.
بتاريخ ٢٤ أيار الجاري، نشر موقع the intercept تقريراً كشف فيه أن واشنطن تجهل متى يمكن لإسرائيل أن توجّه ضربة لإيران، وكيف وهل تل أبيب جادة في توجيه الضربة؟
هذا الموقع اعتمد في تقريره على وثيقة تم تسريبها من جندي أميركي في المنطقة، الأمر الذي يثبت أن القرار الأميركي ليس هو الذي يحرّك إسرائيل في الملف الإيراني.
وأهم ما كشفه هذا الموقع أيضاً عدم ممانعة الرئيس الأميركي جو بايدن من شنّ إسرائيل ضربة على إيران لكن بشرط التنسيق مع واشنطن.
إزاء كل هذا الحراك التصعيدي، طرحت صحيفة جيروزالم بوست بتاريخ ٢٥ أيار الجاري السؤال الكبير حول أي هو الأقرب على إسرائيل : التطبيع مع المملكة العربية السعودية أو ضرب إيران؟
أهم ما كشفته الصحيفة وصول كل من إيران وآسرائيل هذه المرة الى نقطة اللاعودة في التصعيد، وبالتالي بلغت التهديدات المتبادلة من الجدّية والحتمية، ما يُنذر بانفجار مواجهة خاصة وأن لكل البلدان دوافع كبيرة للمواجهة، فيكفي قصف إسرائيل بشدة ونوعية وتركيز لمواقع إيران في سوريا مثلاً أو اغتيال إسرائيل ليس فقط لقادة بل لمجموعات ضخمة من الجهاد الإسلامي أو ضرب حزب الله بشكل تدميري أو تحرك آسرائيل مباشرة في العمق الإيراني.
من جهتها، تملك إسرائيل الكثير من أسباب تفجير المواجهة، ليس أقلها بلوغ البرنامج النووي الإيراني حد تصنيع قنبلة نووية أو تطوير برنامج الصواريخ البالستية أو تصاعد نوعي في تزويد إيران لوكلائها بأسلحة خطيرة وقادرة على تدمير أجزاء من إسرائيل.
خيار الحرب ضد إيران اذاً سيكون بطبيعة الحال مكلفاً لإسرائيل، وبكل الأحوال ليس أفضل الحلول لبنيامين نتانياهو اللاهث وراء تحقيق إنجاز يعوّمه داخلياً ويعيد ثقة الشعب الإسرائيلي به.
من هنا، نرى أن الأولوية الراهنة لرئيس الحكومة الإسرائيلية نتانياهو هي إنجاز التطبيع مع المملكة العربية السعودية في موازنة عقلية براغماتية بين تكاليف الحرب الإيرانية وتكاليف التنازلات للرياض على مصير دولة إسرائيل، فيما يبدو بالنسبة لقسم كبير من الرأي العام الإسرائيلي وللغرابة ثمن التطبيع المفترض أن يكون باهظاً بالنسبة لدولة إسرائيل سعودياً أقل جسامة من دخول حرب مع إيران ستكون مدمّرة ومكلفة اقتصادياً واستراتيجياً وداخلياً لإسرائيل.
لكن هذا الرهان لا يعني أبداً استبعاد لجوء آسرائيل الى خيار الحرب مع إيران خصوصاً وأننا أمام حكومة يمينية متطرّفة في تل أبيب تكره الفلسطينيين والعرب، وتسعى بكل ما أوتيت من قوة الى شطب المعادلة الفلسطينية من الوجود، ما يصعّب كثيراً من احتمالات حصول التطبيع اقله في المدى القصير والمتوسط ما لم تطرأ معطيات دراماتيكية تعيد خلط الأوراق في المنطقة.
والمعلوم أن التطبيع مع السعودية اذا حصل سيفتح الباب واسعاً أمام انتعاش الاقتصاد الإسرائيلي بفتح أبواب الاستثمارات الإسرائيلية في المملكة والعكس صحيح في إسرائيل.
تل أبيب اذاً في مرحلة ممارسة الضغوط القصوى على كل من إيران والسعودية، الأولى لوقف برامجها النووية والعسكرية والبالستية والحد من نفوذها وخطرها الوجودي على إسرائيل، والثانية لدفعها بأي ثمن ومهما كلّف تل أبيب باتجاه التطبيع معها.
تحرّك إسرائيل ضد إيران مبرّره الخوف من قدراتها المتطورة والمتنامية، بينما التحرّك باتجاه السعودية مبرّره الرغبة بالأموال والاستثمارات والتجارة والتبادلات المالية الضخمة ليرتاح الشعب الإسرائيلي وتحقيق نتانياهو انجازه التاريخي المنشود.
وهنا السؤال الآخر الذي يمكن طرحه حول إمكانية قيام الرياض يوماً بالوساطة بين طهران وتل أبيب؟
طبعاً سؤال يبدو راهناً سريالياً وخيالياً، لكن مَن يعرف؟
وزير خارجية إسرائيل اعترف في تصاريحه بأن التطبيع مع الرياض يحتاج الى أشهر، وهو بذلك عبّر عن حقيقة صعوبة حصول هذا التطبيع حالياً، وهذا أمر طبيعي برأينا، إذ لا إسرائيل قادرة خلال أسابيع على تلبية طلبات الرياض الواضحة، ولا ثمة ديبلوماسية أميركية فاعلة وقادرة على إقناع الرياض أو الدفع باتجاه تسريع خطى التطبيع لا سيما في ظل مستوى العلاقات الأميركية- السعودية المتردّية مع إدارة الرئيس جو بايدن وشبكة الآشكالات والتوترات المتراكمة بين واشنطن الديمقراطية والرياض، التي تبدو غير مستعجلة على التطبيع مع إسرائيل، وقد تكون مراهنة على التصادم بين إسرائيل وإيران الذي اذا حصل لن يضيرها كونها باتت خارج التجاذبات الإقليمية مع إيران وقد طبّعت مع طهران، فتترك
" الفخار يكسّر بعضه بين تل أبيب وطهران".
الأيام و الأسابيع المقبلة حبلى بالتطورات الإقليمية وكل الأبواب مفتوحة أمام أية مفاجآت دراماتيكية،
فأي من الخيارَين يسبق الآخر ؟