دور المخابرات الاميركية في كشف مخطط تمرد فاغنر

Wagner mercenary chief Yevgeny Prigozhin leaves the headquarters of the Southern Military District amid the group's pullout from the city of Rostov-on-Don, Russia, June 24, 2023. REUTERS/Alexander Ermochenko

كشفت المخابرات الأميركية أنها تمكنت من اختراق خطط ميليشيا فاغنر قبل زحفها باتجاه موسكو للسيطرة على مركز القرار الروسي.
هذا الكشف تم بالأمس عبر ما نشرته "واشنطن بوست" بتاريخ ٢٤ الجاري حيث نشرت خطة المخابرات الأميركية لاختراق الميليشيا وخططها، حيث علمت المخابرات بخطة زعيم فاغنر يفغيني بريغوجين منذ لحظة بدء التحشيد العسكري للتوجه الى موسكو في منتصف الشهر الجاري، وقد أبلغت المخابرات الأميركية البيت الأبيض والكونغرس الاميركي بالخطة حيث أن اهتمام الأميركيين إنصبّ على تدارس كيفية التحرّك في حال وصول الميليشيا الى موسكو وتمكنها من إسقاط الرئيس فلاديمير بوتين،
مع طرح السؤال الكبير في واشنطن حول معرفة ما اذا كان الرئيس بوتين سيبقى في السلطة أم لا ومن سيسيطر على الترسانة النووية الروسية؟
المخابرات الأميركية أكدت قبل يومين من تمرّد فاغنر أن الرئيس الروسي بوتين كان على علم بما يخطط له بريغوجين بحسب الواشنطن بوست، و
المفاجاة كانت عندما أظهر بوتين عجزه عن مواجهة قوات فاغنر وهي تتقدّم باتجاه العاصمة الروسية، بحيث أن المخابرات الأميركية تتبّعت ردات فعل الرئيس الروسي وقواته المسلحة أثناء زحف فاغنر باتجاه موسكو، انطلاقاُ من الخلاف الكبير بين زعيم فاغنر ووزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو ورئيس هيئة الأركان الجنرال غيراسيموف دام الخلاف الذي بدأ غداة انتصار قوات فاغنر في باخموت، فيما كانت القوات الروسية عاجزة عن فعل أي شيء، حتى أن القوات الروسية الخاصة لم تنجح في السيطرة على باخموت.
بعد انتهاء معركة باخموت، انسحبت قوات فاغنر الى الداخل الروسي خلف خطوط الروس، عندها بدأ بريغوجين يتّهم القيادة العسكرية العليا بتقصّد عدم تزويد عناصره بالسلاح والذخيرة الكافية أثناء معركة باخموت حيث سقط المئات من الميليشيا بفعل هذا التقصير الذي أغضب بريغوجين.
وزير الدفاع شويغو كان قد أعلن سابقاً بأنه، اعتباراً من الأول من شهر تموز كل الجماعات التي تعمل خارج إطار الجيش الروسي ووزارة الدفاع يجب عليها التعاقد مع وزارة الدفاع الروسية لإنهاء إزدواجية العمل بين جماعات متفلّتة والجيش الروسي،
وبالتالي وبحسب قرار شويغو كان على فاغنر واجب التعاقد مع وزارة الدفاع الروسية، الأمر الذي رفضه بريغوجين وبدأ هجومه على وزير الدفاع ومن ثم بدأ يحشد ويهيء لهجومه وتمرّده.
القوات الشيشانية حازت على اهتمام وزارة الدفاع التي تعاقدت معها فيما كانت فاغنر تخوض معاركها في باخموت في شرق أوكرانيا.
وعندما اتهم الرئيس بوتين فاغنر وزعيمها بالخيانة والطعنة بالظهر صبيحة بدء التمرد تحوّلت استراتيجية بريغوجين الى إسقاط الرئيس والسعي لرئيس جديد في موسكو على اعتبار أن بوتين؟ كما اعتبرت فاغنر، أخذ الموقف الخطأ ما أشعل التمرّد والزحف باتجاه موسكو.
اللافت أن قوات فاغنر قطعت أكثر من ٨٠٠ كيلومتر من روستوف جنوباً الى تولا شمالاً على مشارف موسكو من دون مواجهة أي مقاومة روسية، بل أن أوامر الرئيس الروسي لم تلقَ أذاناً صاغية لدى بعض وحدات الجيش بالتصدّي لزحف فاغنر، وقد نجحت الميليشيا في إسقاط مروحية روسية حيث قتل ١٥ عنصراً من القوات الروسية من دون قتال مع فاغنر.
هذا التقدّم الميداني لفاغنر وصولاُ الى مشارف موسكو طرحَ أكثر من علامة استفهام حول قوة الرئيس بوتين وعجزه عن إيقاف زحف بريغوجين نحو موسكو حيث وصل على بعد ٢٠٠ كيلومتر من العاصمة الروسية.
مصادر أوكرانية أكدت أن 90 % من القوات الروسية مشاركة في الحرب داخل الأراضي الأوكرانية، ما جعل من الصعب على بوتين مواجهة فاغنر في الداخل الروسي.
المفاجىء والصاعق تبدى في الهرولة الروسية باتجاه حماية موسكو ووضع العوائق ورفع السواتر وقصف الجسور لقطع وإبطاء تقدّم قوات فاغنر الى حد خلق زحاماً على طريق أم فور (M4) ما أظهر للعلن حالة الذعر والارتباك التي سادت الكرملين وسيده الذي ترك موسكو ولجأ الى منطقة أكثر أماناً، وكاد سقوط موسكو أن يكون حقيقة بيد بريغوجين وجماعته.
ومن هنا، وانطلاقاً من نفس السياق من الارتباك والعجز الروسي، استعان الرئيس بوتين بالشيشانيين لحماية موسكو واستعادة روستوف من فاغنر .
المفاجىء اذاً كان في ما تجلّى عليه الرئيس بوتين من عجز على ضبط الوضع الميداني والسيطرة على الأرض وقمع فاغنر،
والعجز تجلّى أيضاُ في استعانة الرئيس بوتين بنظيره البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو للطلب منه التوسط مع بريغوجين وفاغنر، في الوقت الذي وصف فيه صباحاً زعيم فاغنر بالخائن والغدّار الذي يستوجب عقاباً.
بوتين ليس فقط لم يعاقبه بل وافق على نفيه الى بيلاروسيا وطلب عودة فاغنر الى ثكناته مع العفو عنهم وإسقاط التهم الجنائية عنهم، الأمر الذي ثبّت شرعية واضحة للميليشيا وفسّر تراجع بوتين أمامه وأمام زعيمه،
فإن كانت المعركة قد انتهت إلا أن الحرب التي خلّفها تمرّد فاغنر لم تنتهِ بعد : لم يحصل أي اتصال مباشر بين بوتين وبريغوجين، والمعرف أن الرئيس الروسي لا يرحم أعدائه ولا يتهاون مع مسائل الخيانة.
والملاحظ أن الشعب الروسي في روستوف والمناطق التي دخلتها فاغنر على طريق زحفها باتجاه موسكو إستحسن وجود قوات فاغنر وتعاطف معها وأيدها في مظاهرات عفوية خرجت في الشوارع تهتف بفاغنر وبريغوجين.
شبكة سي ان ان العالمية الأميركية انتبهت لظاهرة التعاطف الشعبي مع فاغنر وزعيمها وتساءلت في نشرتها بتاريخ ٢٥ الجاري لماذا الروس العاديون في الشارع يهتفون للناس الذين حاولوا الانقلاب؟ لتستنتج الشبكة بأن السبب هو أن الشعب يدعمهم ويحبهم، الأمر الذي لا يصبّ في صالح الرئيس الروسي ويطرح أكثر من علامة استفهام حول شرعية حكمه ومدى تأييد الشعب له.
وإعتبرت السي ان ان في تحليلها أن بريغوجين لديه نوع من الدعم، فهو يمثّل تهديداً لبوتين بغض النظر عن مكان وجوده من الممكن رؤية بريغوجين يقتل في بيلاروسيا.
من جهته، إعتبر مركز الروابط للدراسات والبحوث الاستراتيجية في دراسة أنه، وإن كان الرئيس بوتين قد انتصر لكن هذا لم يمنع من أن ظهره مكسور وسيظل بوتين مكسوراً طالما بقي رئيساً أو حتى مواطناً في ما بقي من حياته.
من هنا، ومما لا شك فيه أن ما حصل يوم السبت ٢٤ حزيران في روسيا تسبّب في شرخ كبير وضربة لصورة بوتين القوية والمتحكّمة بروسيا وبمصداقية حكمه وهو عجز عن حماية روسيا من أحداث داخلية خطيرة في لحظة انغماسه في حرب أوكرانيا المستنزِفة والمتآكِلة لقدرات جيشه، وقد عجز عن حماية حتى الكرملين من مسيّرات هاجمته.
في هذه الأثناء، ومن ضمن خطة بوتين لاستعادة شيئ من صورته التي اهتزت بدأت القوات الروسية بالتحضيرات اللازمة للتصدّي للهجوم الأوكراني المضاد، ومن ضمن هذا الإعداد حتمية الاستعانة بمقاتلي فاغنر كونهم الأكثر تدريباً على الكر والفر في المعارك كما بالنسبة للقوات الروسية الخاصة،
لكن في هذه الأثناء هل ينجو بريغوجين من الاغتيال وهو في بيلاروسيا أم سيُسمح له بالسفر الى أفريقيا حيث مصادر ثورته الشخصية كما في الكونغو.
يبقى أن نشير الى أمرين : الأول أن الغرب يرغب بالتخلّص من بوتين خصوصاً وأن الانتخابات الرئاسية في روسيا آتية، والجيش الروسي لم ولن يدعم أي محاولة انقلاب على الرئيس بوتين، والأمر الثاني أن ما حصل في الداخل الروسي سيدفع ببوتين الى التشدّد أكثر في حربه على أوكرانيا.
السؤال يبقى في معرفة ما اذا كان من مصلحة الغرب الفعلية، وبخاصة الأوروبيين والأميركيين أن تكون روسيا غير مستقرة اذا سقط بوتين، وبغض النظر عن موقفنا من الرئيس الروسي وحربه على أوكرانيا خصوصاً في ما يتعلق بالسيطرة وضمان ترسانة روسيا النووية وما يمكن أن يتحوّل الى تهديد للأمن والسلام الدوليين اذا فقدت السيطرة على هذه الترسانة أو انتقلت الى جهات عابثة؟

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: