سوريا بين خلافات رعاة نظامها وتِركة الرجل المريض

سوريا

بقلم جورج أبو صعب

في معادلة دولية هجينة: إيران تنافس روسيا في سوريا
وروسيا غاضبة من تركيا والنظام خائف من فاغنر …

إستدعت إيران سفير موسكو في طهران احتجاجاً على مضمون البيان المشترك الصادر عن الاجتماع الوزاري للحوار الاستراتيجي بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي الذي انعقد منذ أيام في موسكو، لجهة ما تضمنه بموضوع الخلاف حول الجزر الثلاث المتنازَع عليها بين إيران والإمارات.
وقد ناقشت هذه القمة الروسية- الخليجية أيضاً الملف السوري الى جانب ملف النزاع حول الجزر الثلاث.
روسيا تطعن ببشار الأسد في بيان القمة الروسية- الخليجية المشتركة التي انعقدت في موسكو منذ أيام، حيث وافق وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على البيان المشترك الذي تضمن إشارة دعم للمبادرة الأردنية- العربية حيال سوريا، والمستندة الى القرار الأممي ٢٢٥٤ الذي لا يعترف بنظام الأسد ويسعى للانتقال السياسي في سوريا.
المفارقة هنا أن بشار الأسد لم يحتجّ أمام الروس على مثل هذا النص في البيان المشترك.

إنها المشهدية التي تعيشها المنطقة بين أركان ما كانت تسمى منصة آستانا.
صحيفة وول ستريت جورنال قالت:" تمرّد فاغنر على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظامه أثار قلقاً كبيراً لدى مسؤولي النظام السوري على حقول النفط والغاز في جنوب البلاد.
مقاتلو فاغنر حاولوا دخول قاعدة عسكرية روسية في اللاذقية أثناء التمرّد لكن لم ينجحوا.
على المقلب الإيراني، تقول الصحيفة إن إيران تحاول استقطاب مقاتلين درّبتهم شركة فاغنر في سوريا، في وقت استهدفت طهران مقاتلي صيادي داعش في دير الزور ودفعت لهم راتباً بزيادة ٣٠٠ دولار عما يتلقّونه من فاغنر.
بالتزامن، برز الخلاف التركي- الروسي في ملفات عدة من بينها سوريا، وانطلاقاً من مجمل ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، يبدو أن سوريا مقبلة على مرحلة خلط أوراق جديدة تتزامن مع مرحلة الإعداد الأميركي مع حلفاء واشنطن شمال شرق سوريا للإطباق على الممر الوحيد المتبقي للنظام للتواصل العسكري والميداني مع القوات والميليشيات الإيرانية في منطقة البوكمال.

الأحداث اذاً تزداد سخونةً حوالي سوريا ما سينعكس عليها بالذات في الآتي من الأيام.
كلام وول ستريت جورنال نفته فاغنر جملةً وتفصيلاً، لكن اللافت كان زيارة نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في اليوم التالي لتمرّد فاغنر في روسيا الى سوريا ولقائه بشار الأسد، وعندها تم الاتفاق على موضوع فاغنر.
بشار الأسد قلقٌ من ملء فراغ فاغنر وهو الذي سلّم عدداً من حقول الغاز والنفط شرق البلاد في مقابل ٢٥% من مواردها.
الأسد لا يريد لإيران أن تكون البديل عن فاغنر وتملأ الفراغ تجنباً للمزيد من "تغوّل" الإيرانيين عليه، لكن طهران بالتأكيد لن تتعالى على مثل هذه الفرصة الذهبية لملء خزينتها من موارد تلك الحقول.
الحرس الثوري الإيراني حاول استقطاب مقاتلي فاغنر بالمال برفع رواتبهم، واستقبال الرئيس بوتين ليافغيني بريغوحين في الكرملن لم يكن علامة قوة لبوتين عكس ما تردّده وسائل إعلام موسكو والتابعة لبوتين، بل على العكس من ذلك فقد ساهم هذا اللقاء في إبراز عجز بوتين الى درجة قبوله باستقبال بريغوجين الذي تجرأ عليه وكاد يهدّده في عقر موسكو كدليل على عدم قدرته على فعل أي شيء آخر حيال المتمرّد.
مهما يكن من أمر، فإن التطورات الأخيرة أثبتت أن روسيا في سوريا تتجه نحو أن تصبح الرجل المريض في سوريا، ولهذا الرجل المريض تركة سيتم تقاسمها.
الوريث الإيراني على رأس القائمة الى جانب التركي والأميركي والإسرائيلي والعربي ممثّلاً تحديداً بالأردن.
الموقف التركي الأخير لازيل مواقف أنقرة الأخيرة، والتي بدأت مع إطلاق سراح قادة آزوف ودعم انضمام أوكرانيا الى الناتو، وصولاً الى قبول انضمام السويد الى الناتو، وانتهاءً بموقف الرئيس الأميركي جو بايدن المثني على سياسات ومواقف الرئيس رجب طيب أردوغان، كلها مواقف إن دلّت على شيء فعلى وقوع أزمة بين موسكو وأنقرة.
في هذا السياق، لا بد من القول بإن أنقرة تحسّست لحظة الضعف الروسي بعد الذي حصل في روسيا وإلا لما أقدمت على تحرير قيادات آزوف بتصرفٍ يشكّل تحدياً مباشراً لموسكو وتأثيرها.
لحظة الضعف الروسي هذه اذاً يتقاسمها بدايةً الإيراني والتركي، فيما نظام الأسد خارج كل تلك الحسابات والتوتر العسكري على أشده على ضفة الفرات، ولا سيما بين إيران وميليشياتها وقسد وحلفائهم من جهة مقابلة والتحشيد واضح للعيان.
يُذكر في سياق متصل، أن المفاوضات الأميركية- الإيرانية في سلطنة عُمان خفتت وتيرتها كثيراً، فروبيرت مالي المسؤول الأميركي عن الملف التفاوضي مع طهران رهن التحقيق مع أف بي آي على خلفية تعاون سري بينه وبين نظام طهران قد يصل الى مرتبة التجسّس لصالح الإيرانيين،
فهذه النكسة قد تكون وراء التحشيد الإيراني شرقي سوريا بعد توقف المفاوضات مع الأميركيين في عمان.
وكذلك الاحتجاج الإيراني أمام السفير الروسي في طهران حول ما جاء في البيان المشترك الروسي- الخليجي الأخير بشأن النزاع حول الجزر الإماراتية الثلاث يبدو من عوارض المرض الروسي لا بل الضعف الروسي.
والجدير ذكره أن طهران لم تحتجّ على الصين حين صدر بيان مشترك صيني- خليجي إثر قمة مماثلة، لكن مع الصين بنفس المضمون في ما يتعلق بالجزر الثلاث المتنازع عليها.
تجرؤ إيران على الاحتجاج أمام الروسي له دلالاته حول مآل صورة الرئيس بوتين لدى الإيرانيين، خصوصاً أن الصحف الإيرانية المقرّبة من المرشد إعتبرت أن ما ذُكر في البيان المشترك حول الجزر المتنازع عليها " طعنة في الظهر " مطالبةً بتصعيد ضد الروس.
طبعاً لا يُتوقّع أن تتدهور العلاقات بين الروس والإيرانيين نظراً للمصالح المشتركة التي ترعى تلك العلاقات، إنما يكفي النظر الى هذا الأمر لتيقن مدى تدهور الصورة الروسية حتى مع حلفاء موسكو.
يُذكر في سياق إيراني متصل، أن إقدام طهران على افتعال أزمة قديمة- جديدة حول حقل الدرة السعودي- الكويتي هو في الواقع للضغط على الأميركيين بعدما بدت المفاوضات في سلطنة عُمان بين واشنطن وطهران متعثّرة.
قد ينتقل ملف التفاوض بين واشنطن وطهران الى مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سوليفان المعروف بتشدّده حيال الإيرانيين في الوقت الذي لم يحقق الاتفاق السعودي- الايراني الموقّع في بكي الى الآن شيئاً الا تهدئة الوضع اليمني وتبادل افتتاح السفارات والقنصليات وحسب،
ومنذ أيام قليلة، تمت مصادرة سفن تنقل سلاحاً إيرانياً الى الحوثي.
الجبهة اذاً ساخنة في سوريا نتيجة سخونة المواقف بين الحلفاء في المنطقة ونتيجة الضعف الروسي المتزايد بسبب الاستنزاف الأوكراني وتداعياته على الداخل الروسي، وهي قد تسخن وتنفجر في أي وقت لأن الكل يستعد لمواجهة مقبلة … مقبلة.
الرجل الروسي المريض قد يخلط العديد من الأوراق ويعيد تشكيل معادلات إقليمية استراتيجية سوف تتبلور في الأيام والأسابيع المقبلة من الداخل الإسرائيلي المتأزم، مروراً بجنوب لبنان، وصولاً الى شمال وشرق سوريا.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: