منذ أيام، نفّذت السلطات في المملكة العربية السعودية حكم الإعدام بحق بحرينيَين إثنين من الطائفة الشيعية هما جعفر محمد سلطان وصادق مجيد تامر بتهمة التورّط في عمليات إرهابية لصالح النظام الإيراني في السعودية والبحرين.
أهمية ما جرى ليس في تنفيذ حكم الإعدام بقدر التوقيت الذي نُفّذ فيه هذا الحكم بحق إثنين من أتباع إيران،
وفي أجواء التفاهمات السعودية- الاإيرانية التي شهدناها في الأسابيع الأخيرة أتى تنفيذ حكم الإعدام بحق شابين غير سعوديين من أتباع وشيعة إيران، ولهذا العمل أكثر من مغزى ورسالة مهمة.
الرسالة السعودية موجهة لطرفين : الطرف الإيراني مباشرةً، وقد أراد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إفهام النظام في طهران بأن التفاهمات التي تتم مع الجمهورية الإسلامية في إيران لا تمنع الرياض من ملاحقة ومعاقبة الأفعال الإرهابية، سواء السابقة أو اللاحقة لزعزعة أمن المملكة والمنطقة، وأن التفاهمات بين طهران والرياض لا تعني أبداً إطلاق يد أتباع إيران في المنطقة لزعزعة أمنها والتسامح معهم.
الرسالة الأخرى موجهة لشيعة إيران في المنطقة العربية والخليجية، والى كل عربي موالٍ لولاية الفقيه في المنطقة العربية ومفادها أن الولاء للولي الفقيه والذي يجعله يحمل السلاح والقيام بأعمال التفجير والتدمير والتخريب والقتل، سواء في المملكة أو أي بلد عربي أو خليجي، لن تشفع له طهران حتى ولو كانت المملكة على تفاهمات مع إيران، وبالتالي بالإمكان "دفع حياتك ثمناً لتصرفاتك الإرهابية".
الرياض أفهمت طهران بأن التفاهمات التي وقعت بينهما لا تعني أن إيران لم تعد العدو الايديولوجي الأول للمملكة والخليج والعالم العربي، فتصفية الخلافات والتفاهمات لن توقف مطاردة الإرهاب الإيراني في الخليج والمنطقة إينما كان وكيفما كان، لأن التفاهمات لا تلغي العداء الإيراني الشيعي للعالمَين العربي والاسلامي.
توقيت تنفيذ حكم الإعدام اذاً ليس صدفةً بل هو توقيت لرسائل في لحظة استرسال أتباع إيران في المنطقة في نشوتهم المخطئة الناجمة عن سوء تفسير متعمّد لحقيقة التفاهمات السعودية- الإيرانية والتطبيل والتذمير المأدلج للتأثير على الرأي العام العربي بتصوير التفاهمات على أنها قبول سعودي بوجود إيران كما هي الآن بأذرعتها ووكلائها التدميريين في المنطقة، الأمر الذي يجافي الحقيقة والواقع.
هناك هوس ولاء للولي الفقيه العابر للحدود كما حزب الله في لبنان المفترض أن يكون حزباً لبنانياً، ومع ذلك وبأوامر من الولي الفقيه ذهبَ الى سوريا واليمن وقتل وهجّر ودمّر ممارساً الطائفية والمذهبية بأبشع صورها.
بالعودة الى المملكة العربية السعودية، نذكر بأن الأحداث التي حصلت في المنطقة الشرقية في القطيف تحديداً قُضي عليها تماماً بعدما كان المخطط إنشاء دولة هناك ضمن الدولة تتبع للولي الفقيه.
إيران يومها دعمت قيام كيان شيعي بحجة مظلومية مشكوك بأمرها أسلامياً وعربياً، فلو نجح المخطط لتحوّلت المملكة الى لبنان ثانٍ بوابة دسمة للتدخّلات الأجنبية.
المملكة قالت كلمتها وطهران هي التي طلبت الصفح والتسامح من الرياض عندما رأى الولي الفقيه أن مصلحته مع المملكة والرياض استجابت لتوسلات طهران وعقدت معها تفاهمات عسى ولعل أفضي الى إعادة الإيرانيين الى رشدهم والانسجام مع النظام الدولتي (نسبة الى دولة) القائم في المنطقة وبناء علاقات طبيعية قوامها المصالح المشتركة والمشاريع المتبادلة والاستقرار والسلم والتعاون،
الا اأن طهران لا تبدو صادقة في مسعاها وهي التي ومنذ أيام تبيح لحزب الله في لبنان مناورات عسكرية فيها الكثير من التحدي للداخل اللبناني كما للمنطقة، ومن ثم تسريب الأنباء عن استمرار تسليح الحرس الثوري الإيراني الحوثي في اليمن، وصولاً الى عرقلة سير التطبيع مع النظام السوري الى حد تفشيله والحشود العسكرية على الحدود مع العراق وسواها من مظاهر ومواقف وتصريحات من كبار السياسيين والديبلوماسيين الإيرانيين الذين يعتبرون الملفَين السوري واللبناني خارج اتفاق بكين، وآخرين يعتبرون أن بند عدم التدخّل في شؤون دول المنطقة لا يتعلق حصرياً بإيران بل وأيضاً بالسعودية.
ما وراء الأخبار أسرار وحقائق وما يُكشف عنه حتى الآن ليس سوى القليل من اليسير، لكن إعدام المملكة للشابين البحرينَيين التابعين لولاية الفقيه شكّل رسالة قوية وصارمة بأن الأمور ليست "وردية" بالنسبة الى إيران ووكلائها، وأن لكل مقام حسابه من دون الخلط بين الأمور وتضييع البوصلة الحقيقية.
منذ ساعات افتتحت الرياض سفارتها في طهران بعدما افتتحت طهران سفارتها في الرياض، فوضعت أسس هيكلية فضّ النزاعات والملفات الشائكة بين البلدين بالطرق الديبلوماسية، إذ بين روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية الى الآن علاقات ديبلوماسية رغم الصراع الضخم في أوكرانيا، لكن وفي خط موازٍ ما زال كل بلد يحتفظ بأجندته الإقليمية تجاه الآخر، وما زال يحتفظ بمقومات سياسته تجاه الآخر تبعاً لأهداف واستراتيجيات كل منهما.