عندما يتجرّع المعلم بوتين سُمّ طبّاخه "سفّاح أوكرانيا"….

Russian President Vladimir Putin chairs a meeting with members of the Security Council via a video link at the Novo-Ogaryovo state residence outside Moscow, Russia February 18, 2022. Sputnik/Mikhail Klimentyev/Kremlin via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.

بقلم جورج أبو صعب

ما حصل في روسيا في الساعات الأربع والعشرين الماضية، وبغض النظر عن مآلات تمرّد زعيم فاغنر يفغيني بريغوجين والتسوية التي حصلت بوساطة الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو يمكن استخلاص الآتي :

  • أولاً : إنها المرة الأولى التي شعر فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بخطورة الموقف عليه وعلى حكمه، وقد ترجم خطابه صباح يوم السبت رداً على انطلاق التمرّد قلقاً وتوتراً كان من السهل قراءتهما على وجهه المتجهّم ولباسه الداكن وكلماته القاسية التي لم يتوانىَ عن استخدامها ضد من كان يوماً طباخه المفضّل وطابخ سمّه.
  • ثانياً : إن ما حصل لم يكن حادثاُ منفصلاً في الزمان والمكان عن أن التمرّد جاء على خلفية أحداث متراكمة بدأت منذ أشهر على جبهات القتال في أوكرانيا عندما انتفض بريغوحين مرات عدة على قيادة الأركان الروسية ووزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو اللذين اتهمهما بعدم تزويد فاغنر بالسلاح وعدم تقديم الدعم الميداني المطلوب، مروراً بالتصاريح الهجومية النارية ضد القيادة العسكرية الروسية أثناء وبعد معركة باخموت وسوليدار، وصولاً الى تمرّد السبت ٢٤ الشهر الجاري.
    هذا التراكم في الأحداث والمواقف رافقته أحداث صادمة لم يكن أقلها مهاجمة الكرملين مؤخراً بمسيّرات اتُهمت كييف بإرسالها، ليتّضح بعد التدقيق والتحقيق أنها أُطلقت من داخل الأراضي الروسية، مروراً بأحداث بلغورود التي أظهرت زعزعة في الأمن الروسي وفي السيطرة على الأحداث.
  • ثالثاً : كل هذه الأحداث مضاف اليها الاستنزاف في الحرب الأوكرانية والتي لم ينجح الرئيس بوتين الى الآن في حسمها وهي دخلت عامها الثاني بعدما كان من المتوقّع أن تكون عملية خاصة وأن لا تستغرق أكثر من بضعة أسابيع، وبعد لجوء الرئيس بوتين الى الاستعانة بميليشيات ومرتزقة منها فاغنر لخوض أشرس وأصعب المواجهات شرقي أوكرانيا، وبعد الإقرار الرسمي والصريح من رأس الكرملين مؤخراً بالخطأ في تقدير مخططات الحرب والنقص في الإمكانات والعتاد، كل ذلك أعطى الانطباع بأن ثمة خللاً في إدارة الحرب وفي حماية الأراضي الروسية، لاسيما وأن التساؤلات الكبرى منذ مهاجمة المسيّرات لمبنى الكرملين تركّزت على معرفة مدى قدرة أجهزة الأمن والاستطلاع والإنذار المبكر في حماية موسكو والكرملين من أي هجوم استباقي، خصوصاً وأن المسيّرات لم تُطلق من الأراضي الأوكرانية بل من الأراضي الروسية.
    تمرّد زعيم فاغنر وزحفه من الداخل الروسي نحو موسكو جاء ليزيد الغموض والشكوك حول قدرات النظام الأمني والاستخباراتي الروسي في التنبوء والكشف المسبق عن المؤامرات، لاسيما وأن بريغوجين لم يخفِ منذ أسابيع نواياه في الزحف الى موسكو لخلع وزير الدفاع ورئيس أركانه … ومع ذلك دخل بريغوجين مقر قيادة عمليات أوكرانيا في روستوك من دون مقاومة الجيش الموالي لموسكو وتقدّم باتجاه العاصمة الروسية قرية بعد قرية من دون مواجهة اأي مقاومة أو تصدٍّ من القوى النظامية الروسية الموالية للكرملين، ورغم مواجهات عسكرية محدودة تكبّد الجيش الروسي وسلاح جوه خسائر بشرية ومادية فيما فاغنر لم يسقط لها جريح.

-رابعاً : فوق كل هذا، ظهر الرئيس بوتين سياسياً بموقف ضعف لأنه فاوضَ بعد الظهر من اتهمه بالخيانة أي بريغوحين صباحاً ولأنه طلب توسّط الرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو بينه وبين بريغوحين مع ما يعنيه ذلك من إقرار بعدم القدرة على تسوية الموضوع مباشرة، وأيضاً أقرار بوتين بعدم القدرة على سحق تمرّد زعيم ميليشيا … ومن عدم القدرة على حسم الموقف الا من خلال الموافقة على التنازل عن ملاحقة زعيم المتمرّدين والسماح له بالامتثال الى بيلاروسيا والموافقة على ضمان مستقبل عناصر فاغنر من دون محاسبة ولا محاكمة.
و مع الإطلاع على نص الاتفاق الذي توصّل اليه الكرملين مع زعيم فاغنر بوساطة بيلاروسيا يتبيّن أن بريغوحين سيغادر الى بيلاروسيا ويقفل ملفه الجنائي، في حين انخرط عناصر فاغنر في الجيش الروسي ممن لا يريد العودة الى ثكناته.
و الأمر الغريب الذي يثير علامات استفهام هو أن موافقة الرئيس بوتين على عدم حل ميليشيا فاغنر بل قبوله بالتعامل معها على أساس أنها قوة شرعية يعترف بكيانها رغم التمرّد.

انطلاقاً من مجمل هذه الملاحظات، يتبيّن بوضوح أن ما قبل ٢٤ حزيران لن يكون كما بعده لجهة صورة الرئيس بوتين الداخلية كما والخارجية، فما حصل في روسيا في ذاك السبت من شهر حزيران أثبت بشكل واضح هشاشة نظام الرئيس فلاديمير بوتين الذي لطالما صوّرَ روسيا على أنها إمبراطوريته التي لا تُقهر من الداخل كما من الخارج، والذي صوّرَ نفسه على أنه القائد الحامي للشعب الروسي والضامن لأمنه واستقراره، فإذا بهذا النظام وهذا الرئيس يتعرّضان لهزّة كبرى سبّبت عدم استقرار ستستمر موجاته الارتدادية لفترة ليست بقصيرة،
فهل يتخذ الرئيس بوتين مما حصل ذريعة لمزيد من البطش بالمعارضين والمتساهلين مع بريغوحين؟ وهل سيقوم بزيادة درجة وقوة بطشه في أوكرانيا لاستعادة هيبة معنوية اهتزت في ٢٤ حزيران؟

الأكيد أن على بوتين استعادة زمام المبادرة إن أراد تجاوز عمق وخطورة ما حصل، ولذلك لا نتفاءل كثيراً بارتدادات إيجابية لِما حصل على الحرب ضد أوكرانيا، لأن تلك الساحة ستكون من بين أهم الاستراتيجيات البوتينية لاستعادة الهيبة والقوة، خصوصاً أن ما حصل في روسيا وعلى أبواب موسكو جعل حلفاء شاغل الكرملين يشكّكون بقدراته ومدى سيطرته على كافة مفاصل حكم روسيا خصوصاً الصينيين والأفارقة، علماً أن الكلام عن ضعف الرئيس بوتين داخلياً وخارجياً كلما ازدادت سطوة الصين عليه، وهذا في الميزان الجيو سياسي له ما له وعليه ما عليه من تكاليف وتداعيات إقليمية ودولية لا تصبّ بالتأكيد لمصلحة الكرملين، فهل بدأ المعلم بوتين يتجرّع سمّ طباخه بريغوجين "سفّاح" أوكرانيا أكثر وأبعد مما نتوقّعه، لا بل خلافاً لما توقّعه بوتين نفسه حين بنى فرانكنشتاينه بريغوجين ؟

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: